استمراراً للجهود الضخمة التي بذلتها ولا تزال تبذلها الدولة بهدف الإسهام في تمكين المرأة على جميع الأصعدة، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، تواصل المملكة استكمال حلقات النجاح التي توجت سلسلة التطورات التي اختصت بإعادة الكثير من حقوق المرأة المهضومة لها، وساعدتها على النهوض من بين ركام الأفكار الظلامية المنبثقة من فوبيا الوصاية، والتي قادها في السابق فصيل من ذوي الأفكار المتحجرة من أسيري العادات والتقاليد البالية، وهي التطورات التي قادها الأمير الشاب محمد بن سلمان والذي جسد نموذجاً مشرقاً للقيادة الشابة الجريئة، دائمة التطلع لمستقبل أفضل وأكثر إشراقاً.

ولكن رغم هذه الطفرات الملموسة والإنجازات الواضحة لا يزال هناك الكثير الذي يحتاج للتطوير؛ فلا تزال هناك بعض القضايا المهمة جداً التي تعاني منها بعض الأسر السعودية وتمس المرأة بصورة جوهرية، لعل من أهمها قضيتي العنف الأسري والزواج القسري، ومن المعروف أن تلك القضايا الاجتماعية الحساسة يصعب وضع تشريعات وقوانين ملزمة لها، فالقوانين والسياسات تتسم بالعمومية والإجمال والخطوط العريضة، ومثل تلك القضايا تحتاج صبراً وتأنيا في معالجتها، كما تحتاج لثقافة وتوعية وتوجيه لمعالجتها.

«في اعتقادي» أن مسيرة تمكين المرأة وأهمية إيجاد حلول للكثير من القضايا العالقة المتعلقة بها، ربما يحتاج إنشاء «هيئة وطنية لحقوق المرأة»، تكون على اتصال رسمي بالعديد من الأجهزة التنفيذية بالدولة، لتتمكن من إيصال قضايا وشكاوى النساء لها للبت فيها عندما يتطلب الأمر، مثل وزارة الداخلية ووزارة العدل ووزارة التعليم وغيرها، ويكون من أهم أولوياتها تنظيم حملات توعوية دورية خاصة بالقضايا النسائية، كحملات القضاء على العنف الأسري، أو الحملات الخاصة بالصحة النفسية والجسدية وغيرها، ويكون لتلك الهيئة خط ساخن ووسائل تواصل متاحة وميسرة ومتعددة، لتلقي الشكاوى والاستفسارات والمقترحات، على أن يتكون مجلس إدارة تلك الهيئة من شخصيات نسائية رائدة ذات خبرة في مجال خدمات المرأة والإسهام في نهوضها.

من الممكن تقسيم نشاط هذه الهيئة لعدة محاور، أهمها المحور الاجتماعي بطبيعة الحال، والذي سيعتمد سياسة تكثيف الحملات التوعوية الخاصة بالإسهام في دعم المرأة ومساندتها في ما يعترضها من مشكلات عديدة، مع إتاحة العديد من الدورات التعليمية التي يسهل حضورها، للمساعدة في إشراك أعداد كبيرة من النساء في تعلمها والاستفادة منها، ويتم تحديد القضايا التي تهم النساء من خلال استطلاع آراء النساء أنفسهن عن أكثر القضايا التي تهمهن في هذه المرحلة المعاصرة، وعلى النساء أنفسهن تحديد القضايا التي يفضلن مناقشتها، وتوضيح المشكلات التي يرغبن في إيجاد حلول لها.

وفي ما يتعلق بالمحور الاقتصادي فإنه سيكون مختصاً بتمكين المرأة على الصعيد الاقتصادي، سواء من خلال رعاية المشروعات النسائية الصغيرة، أو من خلال ربط مشروعاتهن بمصادر تمويلية موثوقة تمكنهن من البدء في تحقيق الاستقلال المادي والإسهام في رعاية أسرهن، مما سيؤدي في نهاية الأمر لزيادة عدد الفرص التشغيلية للنساء والقضاء على جزء من مشكلة البطالة المزمنة، كما سيكون من مهام تلك الهيئة رعاية النساء الموهوبات صاحبات المشروعات المبتكرة، مع إتاحة الدورات التعليمية الخاصة لهن لاكتساب المهارات والكفاءات اللازمة لاقتحام سوق العمل سريع الوتيرة والتغير والتطور.

تثقيف النساء وتعريفهن بحقوقهن وتوعيتهن بأهمية المشاركة في الحياة العملية، والإسهام في تمكينهن اقتصادياً وقانونياً، هو عامل أساسي في تطوير المجتمع، ولعل إلقاء الضوء على العديد من القضايا الاجتماعية المهمة المؤثرة على سلامة الأسرة السعودية -كقضايا العنف الأسري والزواج القسري- من خلال الهيئة المذكورة ربما سيساعد على إلقاء الضوء عليها بتركيز أفضل، تمهيداً لمعالجتها عقب تغطيتها إعلامياً، مع الحرص على أن يكون لهذه المعالجة العديد من المراحل، والتي لا تبدأ بالوقاية والتوعية وتنتهي بالعلاج وإعادة التأهيل فحسب، بل تمثل مراحل متعاقبة ودورية لربط النساء بمنبر رسمي مختص فقط بمعالجة قضاياهن ودعمهن ومساندتهن طيلة الوقت بمختلف السبل والوسائل.

لقد سبقتنا العديد من الدول في تجربة تلك الهيئات والمجالس المتخصصة، والتي أسهمت بلا ريب في رفع مستوى الوعي والاهتمام بقضايا المرأة والأسرة في دولهن، وكما تعودنا خلال الآونة الأخيرة على سرعة استجابتنا للمتغيرات الحديثة والإسراع في تحقيق الخطط التنموية وتجاوز تجارب تلك الدول بمراحل والتفوق عليها، فإن إنشاء هيئة مثل تلك الهيئة المقترحة سيسهم في ترسيخ تلك الخطوات، كما سيسهم في ترسيخ صورة الدولة السعودية بقيادتها الشابة سريعة الاستجابة للمتغيرات البيئية والمجتمعية، والقادرة على كسر الصورة النمطية التي طالما توطدت في أذهان الرأي العام الغربي عن وضع المرأة داخل المملكة، وهو ما انعكس في اهتمام رؤية 2030 بتطوير وضع المرأة بوجه خاص، مما جسد بوضوح تمتع تلك الرؤية بالبصيرة والعدالة وحسن التقدير.

* كاتب سعودي