أ. د. محمد بن مصطفى بياري *
التحوّلات الكبرى التي تشهدها المملكة والتي شملت مناحي الحياة كافة، وكذلك القفزات التطويرية المشهودة التي طرأت تحديدا على أعمال الحجّ والعُمرة وعلى المنظومة العاملة فيها وذات العلاقة بها - الحكومية والأهلية - أخيرا، والتي يقف في صدارتها قرار مجلس الوزراء بالموافقة على نظام مقدمي خدمات حجاج الخارج، تمثل تحديِّاً كبيراً للجميع، وفي الوقت ذاته تُشكِّل دافعاً ومُحفِّزا قويا، للتشمير عن سواعد الجد وشحذ الهمم لرفع المقدرات وتطوير القدرات وإعداد كوادر مؤهلة ومدربة وبما يحقق طموح القيادة للارتقاء بخدمة ضيوف الرحمن على أعلى وأفضل مستوى.

ومن هنا تأتي الأدوار المأمولة من الجامعات والكليات والمعاهد السعودية، وتبرز أهميتها أكثر للإسراع في المواكبة واللحاق بالركب وبهذه القافلة من التطورات التي تسير إلى الأمام بكل ثقة وتسارع، وأن تؤدي أدوارا أكبر للمساهمة في تحقيق التطلعات، وفي إنزال هذه الرؤى والتصوّرات لأرض الواقع.

فالمرتجى من هذه المؤسسات التعليمية أكبر من الواقع الحالي بكثير، والأحلام لا تزال عراضا، وسقف التوقعات لا يزال مرتفعاً في أن تضطلع بمهام أكبر وأوسع وأشمل، لإعداد الطلاب والطالبات وتجهيزهم لسوق العمل: «الجديد وغير التقليدي»، وبحيث تكون طاقات شابة مؤهلة ومدربة وقادرة على المنافسة وتقديم الخدمات لقطاع عريض مستهدف في المستقبل القريب بكل مهنية واحترافية، وبأسلوب حضاري يمزج بين الجودة والعلم المتقدم، وبحيث يكون المتخرج منها مؤهلا للالتحاق بالعمل في أي مجال من المجالات الجديدة، التي وضعت رؤية 2030 قاعدتها، وأسسها على أرض صلبة من الآمال والطموحات والتطلعات، وفتحت آفاق أرحب للشباب والشابات من الجيل الحالي والأجيال القادمة، وأتاحت لهم فرصا لم تكن موجودة من قبل، وخلقت لهم مناخا مناسبا للتميز والإبداع والابتكار وإبراز المواهب والفنون والمهارات، ومهدت لهم الطريق للحاق بركب الأمم المتقدمة ودول العالم الأول.

يتوقع الكثيرون أن تقدم جامعاتنا السعودية على: (التفكير خارج الصندوق)، وأن تسارع بالمبادرة بمواكبة هذه التحوّلات الكبرى، والاحتياج الفعلي وسوق العمل المتوقع في ظل إقرار نظام مقدمي خدمات حجاج الخارج وتحول تسع مؤسسات لأرباب الطوائف إلى شركات مساهمة ووجود مشاريع سياحية ضخمة كالقدية ونيوم والبحر الأحمر وجميعها ستخلق فرصا وظيفية كبيرة، وذلك بإنشاء كليات للحج والعمرة واستحداث أقسام متخصصة جديدة، وبدرجات علمية مختلفة، تشمل الدبلوم والبكالوريوس والماجستير -بل وحتى درجة الدكتوراه- ومراجعة وتطوير تخصصاتها وبرامجها الأكاديمية ومناهجها العلمية إن وجدت، من أجل إعداد كوادر تعمل بفكر احترافي وبمهنية عاليِّة يتطلبها سوق العمل الجديد، وذلك بوضع تخصصات ومناهج عالمية مواكبة قوية وهادفة ومفيدة، وتكثيف تدريس بعض المواد المتخصصة كاللغات الحية وأساليب الضيافة المتخصصة وفنون ومهارات الفندقة ومتطلبات الإعاشة، إضافة إلى وضع برامج خاصة بصناعة السياحة، وذلك لتعزيز الفرص الفندقية والسياحية التي ستبرز وتُتاح مستقبلاً بصفة خاصة، إلى جانب تعليم أساليب التثقيف والتوعية والإرشاد، وجميع مجالات الحاسب الآلي والتطبيقات الذكية الحديثة، والنقل وإدارة الحشود، وإدارة تكنولوجيا الأعمال، وغيرها من معارف علمية في مختلف المجالات والتخصصات، والحرص على اختيار هيئة تدريس مؤهلة وخبيرة، تسهم في تحقيق هذه المرامي والأهداف.

التعاون الدولي مع جامعات عالمية متقدمة يعتبر متطلبا مهما وفعالا بصناعة تلك البرامج، حيث تملك هذه الجامعات العالمية المختلفة التقنية والفكر والعلم المتقدم الحديث ونملك نحن الخبرة والتجربة والقاعدة التاريخية.

إن جميع الخدمات في عصرنا الحالي أصبحت صناعة متخصصة تقدم بطريقة بها تخطيط ونظرة ورؤية واضحة للمستقبل، وأضحت تُقدّم بشكل احترافي مقنن، وذلك لمواكبة العصر وتطوراته المتسارعة، الأمر الذي يستوجب تطوير برامج وتخصصات وآليات تفي بتقديم هذا النوع من الخدمات الخاصة بهذا الجمهور العريض من العملاء وأي عملاء فهم «ضيوف الرحمن»، إن سقف طموحاتنا وآمالنا وتطلعاتنا محلِّق دائما عالياً ويلامس عنان السماء، وهمتنا لن تنكسر مثل جبل طويق كما قال سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.

* الأستاذ والاستشاري بكلية طب الأسنان بجامعة أم القرى