بحق لا يوجد شيء يمكنه قلب الحق باطلاً والباطل حقاً كالعقلية المقولبة التي تلوي أعناق المنطق العقلي والنصوص والقيم والمبادئ لكي تصبح موافقة وخادمة وداعمة لقالبها السائد، ومن ذلك المقطع الذي انتشر لخطبة عيد الأضحى بأحد المصليات بالسعودية وقال فيه الخطيب إن عمل المرأة بالسوق يضاد صفات العفاف والشرف ويجعلها كالتي تعمل بالدعارة، مكنياً عن ذلك بالمثل «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها»! وللموضوعية فما قاله الخطيب كان ولازال جزءاً من القالب السائد للخطاب الديني الذي يقذف غالب مسلمات العالم، لأن غالب المسلمات هن من بلاد فقيرة أو يعشن في الأرياف ويعملن بالحقول والأسواق وجميع المهن وإلا ماتت عوائلهن من الجوع، وعودة لمسألة ليِّ أعناق كل شيء ليوافق القالب السائد، فالمثل التراثي الذي أورده الخطيب «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها» قيل في حادثة تنطبق على كثير من الزيجات التقليدية لدينا؛ فأول من قال هذا القول وصار مثلاً من بعده هو «الحارث بن سليل الأسدي» وكان رجلاً مسناً وخطب «الزباء بنت علقمة بن خصفة الطائي» وكانت شابة وأهلها ضغطوا عليها طمعاً بمال الخاطب فقالوا «الشيخ يميرك -ينفق عليك-» فتزوجها على مائة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم، «فبينما هو جالس بفناء قومه وهي إلى جانبه إذ أقبل شباب من بني أسد يعتلجون، فتنفست وأرخت عينيها بالبكاء، وقالت: مالي وللشيوخ –تتحسر على زواجها من مسن- فقال لها: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.. الحقي بأهلك». فهو استنكر كونها تزوجته لأجل ماله وليس لشخصه واعتبر أنها بزواجها منه لينفق عليها كانت كمن تتعيش بثمن لجسدها. وحالياً تشيع الزيجات الظالمة للأنثى من كل الأعمار لكي يأكل وليها الثمن؛ كما ذكر المحامي السعودي عبدالمجيد الموسى ببرنامج «يا هلا»: «البعض يزوج ابنته لستيني أو سبعيني كي ترث أمواله، ثم يصبح وصياً على هذا المال لأنها قاصر» «11/‏مايو/‏2018». وإجبار الفتيات على الزواج بالإكراه طمعاً بمال الخاطب هو السبب الرئيسي لهروب الفتيات، ولذا يجب تفعيل أنظمة تمنع الزواج بالإكراه، والمال هو الدافع الأساسي لزواج المسيار والزواج من المعددين، ومثل هذا الزوج عادة يكون مزواجاً ويطلق النساء عندما يمل منهن تاركاً طليقته مع درزن أبناء وبدون نفقة وإن دفعها بعد «مرمطة» طليقته بالمحاكم فهي لا تتجاوز 250-500 ريال فلا تكفي، فتضطر البنات للعمل لإعالة الأسرة، وعمل المرأة هو أشرف لها من الزواج طمعاً بنفقة الزوج حسب أصل مثل «تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها».

* كاتبة سعودية

bushra.sbe@gmail.com