الوضع الذي تريد الهند فرضه على إقليم جامو وكشمير، بإعلان ضَمِّه إليها.. وإنهاء وضْعِهِ كمنطقة متنازع عليها مع باكستان، تحكمها مقررات دولية ملزمة، لا يمكن أن تُعَوِّلَ عليه باكستان، دعك من افتراض أن إسلام أباد تنتظر منه الكثير.

باكستان، في حقيقة الأمر تعتمد على قدراتها غير التقليدية في الردع، التي وإن كانت الهند تمتلكها، إلا أنه من الناحية الاستراتيجية لباكستان حافز أكبرَ للاعتمادِ على إمكاناتِها النوويةِ، من ذلك الذي لدى الهند. القضية بالنسبة لإسلام أباد: مسألة حياةٍ أو موت.. وذات علاقةٍ مباشرةٍ، بشرعيةِ الدولةِ نفسها، التي بدونها تفقد الدولةُ مبرراتِ وجودها.. ومقوماتِ بقائها. أمورٌ لا تقوى أية حكومةٍ باكستانيةٍ المساومة عليها، وتحتفظُ بشرعيتِها، في آن.

الأمرُ مختلفٌ تماماً، عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط. إسرائيل أعلنت: مؤخراً، ضَمَّ القدس وهضبة الجولان، بمباركةٍ أمريكية، ولم يحظََ العربُ، بأي دعمٍ مهمٍ من النظام الدولي، رغم كم القرارات الدولية الملزمة، التي صدرت من مجلس الأمن.. وما تواتر عليه العرف الدولي، منذ الحرب العظمى وعهد عصبة الأمم، بعدم المساس بالكيانات الإقليمية للدول.

ليس فقط العربُ لم يَحْظَوا، هذه المرة بدعمِ المجتمعِ الدوليِ لقضيةِ القدسِ والجولان، بسبب المتغير الأمريكي، بل أكثر: العربُ أنفسهم يبدو أنهم فقدوا حافزَ استمرار نصرتهم للقضية الفلسطينية.. وكذا أحدثوا تغييراً في عقيدتهم الاستراتيجية تجاه وجود إسرائيل، بوصفها الخطر الأول الناجز على أمنهم القومي، متجاهلين قرارات إقليمية ملزمة، كان آخرها ما أقره مؤتمر القمة العربي في بيروت 2002. بالإضافة إلى أن إسرائيل تتفوقُ استراتيجياً على العربِ، ليس فقط في مجالِ التسلحِ التقليدي، بل أيضاً: في إمكانات الردع غير التقليدي المُحْتَمَلَة.

الوضع مختلفٌ تماماً في منطقة شبه القارة الهندية، التي تتمتع بسيادةِ توازنِ رعبٍ نوويٍ، هو الوحيد على المستوى الإقليمي في العالم. باكستان، لما يقرب من نصف قرن، يبدو أنها كانت تنتظر تفجرَ الأزمةِ حول إقليمِ جامو وكشمير، وأعدت العدة استراتيجياً لمواجهة احتمالات تطورها. كلٌ من الهند وباكستان تمتلكان قدرات نووية جبارة، لن تقتصر أضرارها المُهْلِكة، إن جرى اللجوء لإغراءِ استخدامِها، على منطقة شبه القارة الهندية وحدَها، بل على مستوى العالم، بأسرهِ.

قد يتجاهل النظامُ الدوليُ، هذه التبعات المُهْلِكة لدرجة الإبادة المتبادلة لطرفي النزاع، باحتمالاتها الدولية الممتدة، ولا يتعامل مع الأزمةِ بالجديةِ التي تستحقُها. لكن، بالقطع: لن يتعامل مع أزمة جامو وكشمير الحالية بمستوى تعامله مع إقدام إسرائيل، بدعم أمريكي، ضم القدس وهضبة الجولان لإسرائيل.

مع ذلك، يبدو اللجوء إلى مجلس الأمن، من قبل باكستان، مناورة ضرورية للتعامل مع الأزمة، بمستوى خطورتها الاستراتيجية، من أجْلِ محاولة التحكم في آليتها التصعيدية، دون التعويلِ كثيراً على ما قد يصدره مجلس الأمن من قرارات، في الغالب لن تكون مقبولة، من الهند، هذا إن صدرت أصلاً.

في المقابل: باكستان لديها ورقة إستراتيجية فعالة، قد تتجاوز محاذير اللجوء إليها، بصورة غير مسبوقة في تاريخ انتشار الأسلحة النووية وسابقة استخدامها اليتيمة، بصورة آحادية من قبل الولايات المتحدة ضد اليابان، لوضع حدٍ للحربِ العالميةِ الثانيةِ على جبهةِ الباسفيك (6، 9 أغسطس 1945). أيضاً: من الصعب هنا اللجوء لتجربة الحرب الباردة، لاستشراف سلوك كل من الهند وباكستان، في التعاملِ مع التطوراتِ الأخيرةِ في إقليمِ جامو وكشمير. كما أنه من الصعبِ استبعاد، أيٍ من الطرفين، اعتناق عقيدة الضربة الأولى، لتفادي اللجوء إلى خيار المواجهة النوويّة.

باكستان ستأخذ الأمر بجدية خطورته الاستراتيجية على أمنها ومصير بقائها. الهند، من الجانب الآخر: ستقع في خطأٍ استراتيجيٍ فادحٍ، لو أنها قررت تجاوز خط التصعيد في الأزمة، باستبعاد إعادة النظر في قرارها، أو تعديله.. والمضي في تطبيقه، استنفاذاً لإمكانات توازن الرعب النووي بين البلدين.. ومن ثَمّ تجاهل الفوارق الاستراتيجية التي تفصل بينهما، التي قد تتجاوز القدرات العقلانية لمؤسسات صناعة القرار في كلٍ من نيودلهي وإسلام أباد.

من المؤكد أن الهند اتخذت قرارها، وفي الخلفية تجارب الحروب التقليدية الثلاث (47، 56، 71) بين البلدين، اثنتان منها نشبتا بسبب الإقليم. من المؤكد، أيضاً: أن نيودلهي لم تتجاهل وضعية توازن الرعب النووي بين الدولتين، التي قد تحكم أي مواجهة عنيفة بينهما مستقبلاً. لكن بعيداً عن أيةِ خلافاتٍ أيديولوجيةٍ أو ثقافيةٍ بين البلدين، وهذا ما كان في الأساس، يحكم آلية توازن الرعب النووي في عهدِ الحربِ الباردةِ بين الولايات المتحدةِ والاتحاد السوفيتِي، فإن الأمر هنا يمثل تحدياً استراتيجياً خطيراً وناجزاً لأمن باكستان القومي، الأمر الذي ليس بهذا القدر من الأهمية، بالنسبة للهند.

الهند قد تزيد من قدراتها المادية والاستراتيجية بضمها لإقليم جامو وكشمير الغني بموارده الطبيعية وموقعه الاستراتيجي.. وقد يُرضي ذلك غرورَ النخبة الحاكمة في نيودلهي، التي تدعمها جبهة شعبوية عريضة مفتونة بقيمٍ قومية «شيفونية» متطرفة... إلا أن إقليم جامو وكشمير لا يمثل ضرورة استراتيجية تدفع الهند للمجازفة بأمنها القومي ووجودها المادي، بمثلِ ما هو الحال بالنسبةِ لباكستان.

هنا يمكن أن تكون نيودلهي أخطأت في الحساب، برهانها على الحركية السلبية لآلية توازن الرعب النووي، بردعِ خيارِ الحرب النووية، أو حتى مجرد التفكير فيها. لقد فات الهند، أن قرار باكستان اللحاق بركبِ النادي النوويِ الدوليِ معها كان، في معظمِهِ، استعداداً لمثل هذا التطورِ على جبهةِ جامو وكشمير، الذي يفوق في أهميته الاستراتيجية، فقدان باكستان لإقليمها الشرقي (بنغلاديش)، في حرب 1971.

باكستانُ، ربما هي مترددةٌ في هذه المرحلةِ، مجاراةَ الهند في جهودِها التصعيدية للأزمة، إلا أنه بالقطعِ من الخطأِ التقدير أن باكستان تستبعد أي خيارٍ، بما فيه خيار المواجهةِ المسلحةِ بكلِ احتمالاتِ إمكاناتِها التقليدية وغير التقليدية، في حالة ما أصرت الهند على موقفها.. أو تجاوزت محاولتها التصعِيدِيةِ الجديدة، حدود إمكاناتِها التفاوضِية، للوصول إلى تسويةٍ جديدةٍ مع باكستان لإنهاءِ أزمة الإقليم.

أزمةُ كشمير الحالية، هي بمثابةِ نموذجٍ «كلاسيكيٍ» تحكمهُ آليةُ ردعٍ غير تقليديةٍ، بعيداً عن مؤسسات النظام الدولي بتعقيداتِهِ السياسيةِ.. وهشاشةِ بنائِهِ القانونيِ، وافتقارِ إخلاصِهِ الجِدّي الذودَ عن سلامِ العالمِ وأمنِهِ.

* كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com