لو أن جامعتنا، جامعة الدول العربية آمنت واعتنقت قناعة راسخة وهي أن أفريقيا هي العمق الإستراتيجي الحقيقي للوطن العربي، وأن الوطن العربي هو العمق الإستراتيجي لأفريقيا، ولو أن جامعتنا العربية الموقرة عملت بربع طاقة وحماس وإخلاص الاتحاد الأفريقي على تحقيق هذا الهدف، لما فقد الوطن العربي بوصلته ولما تشظى في انتماءاته وتمزقت أشرعة سفينته بين رياح تدفعها باتجاه المحور التركي أو المحور الإيراني وغيرهما من محاور إقليمية ودولية.

إن الكوارث التي اقترفها حزب الإنقاذ بحق السودان وبحق السودانيين خلال العقود الماضية من مصادرة للسودان والسودانيين واختطاف لأهله، أثبتت أن السودان كان مصادرا كذلك من محيطه الأفريقي والعربي بنفس الدرجة والقدر. فليس مثل الغياب شيء لمعرفة حجم وأهمية الحضور.

كان السودان ولا يزال جسرا مهما لتلاقح وعبور الثقافتين العربية والأفريقية إلى الضفتين، من خلال تنوعه الثقافي والاقتصادي والطبيعي والبشري، فكان غياب السودان عربيا وأفريقيا خلال العقود الماضية، دليلا راسخا على محورية وجوهرية السودان ليس للسودانيين والسودان فحسب إنما لأفريقيا والوطن العربي.

لا أحد يلوم السودانيين والسودانيات الذين خرجوا بمئات الآلاف من مدنهم وقراهم بمظاهرات حضارية وضعت النظام في زاوية ضيقة وجعلت العالم كله يرى بأم عينيه هذا الشعب الراقي هذا الشعب العظيم هذا الشعب الذي لا يليق به نظام تآكل وتهاوى وتساقط، وأراد أن تتآكل وتتهاوى وتتساقط السودان معه في كل المآزق التي وضع نفسه بها.

وبحجم العذابات التي عاناها السودانيون والسودانيات، جاءت فرحتهم مدوية بتوقيع الاتفاق التاريخي بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي حيث امتزجت مع فرحة جيرانهم ومحبيهم، فرحة سمعها البعيد والقريب ورحب بها القاصي والداني. صحيح أن لا شيء يعوض الخسائر البشرية من قتل وتشتيت للعقول السودانية التي نزحت وهاجرت أو هجرت التي تكبدها السودانيون والسودان خلال العقود الماضية، لكن اللحظة التاريخية جاءت، وعندما تأتي اللحظة التاريخية، لا بد من استثمارها كاملة وحتى القطرة الأخيرة. فالرسائل التي وجهها قوى الحرية والتغيير شملت الجميع دون استثناء بما في ذلك عودة جنوب السودان الذي لا يكتمل جنوب بلا شمال ولا شمال بلا جنوب.

إن الزخم الذي يعيشه المشروع السوداني يجب أن يستثمره السودانيون والعرب والأفارقة، لجعل السودان حلقة وصل حقيقية وصادقة في إحياء وإطلاق المشروع العربي الأفريقي على أن يكون السودان رأسه اقتصاديا وثقافيا وعلميا.

السودان مؤهل أكثر من أي بلد أفريقي أو عربي لأن يكون في طليعة المشروع العربي الأفريقي، وأخذه إلى أبعد مدى، لأننا إذا كنا نؤمن بالتحالفات والتكتلات، فلن تجد أفريقيا أفضل من الوطن العربي للنهوض به ومعه، ولن يجد الوطن العربي أفضل من أفريقيا للنهوض معها وبها.

لا يوجد حاليا ولا مستقبلا أفضل للعرب والأفارقة من المشروع العربي الأفريقي.

أي تكتلات أو تحالفات يرمي لها الوطن العربي أو أفريقيا أو بعض دولها، لن تكون أفضل من تكتل عربي أفريقي، وخاصة إذا كان المنطلق هو السودان. ففي تجربتي الشخصية وبحكم عملي، لم أحضر اجتماعات لمنظمات الأمم المتحدة أو مؤسسات متخصصة أو البنك الدولي، إلا ويكون ربع إلى نصف الفريق من بينهم من الإخوة السودانيين.

إن قَدَرَ الدول المتنوعة ثقافيا وعرقيا وطبيعيا بأن تقود العالم أو أن تتشظى حسب النظم التي تحكمها وتديرها، كلما انفتحت هذه الدول ذات الأبعاد التعددية على تعدديتها، تقدمت للأمام وقادت مجتمعها وأثرت بغيرها، وكلما مالت بكفتها بخلفيتها مع أحد تلك التنوعات، كان ذلك مؤشرا على الانحدار والانقسام والتقسيم.

السودان اليوم يسدل الستار على حقبة مأساوية مظلمة، وينفتح على حقبة الحرية والديموقراطية والتعددية مع كل ما تتطلبه هذه المرحلة من مراجعة ومحاكمة للحقبة البائدة، ولذلك أرى السودان -بعد أن يتعافى ويجتاز فترة النقاهة- مؤهلا ومهيأ ولأسباب كثيرة بجانب الحقبة الجديدة، مثل موقعه وتنوعه الثقافي وتاريخه وموارده البشرية وموارده الطبيعية وعقول السودانيين والسودانيات بأن يقود تحالفا عربيا أفريقيا لإحياء المشروع العربي الأفريقي الذي طالما كان حلما، خاصة في هذا الوقت الذي تبدو فيه أفريقيا والوطن العربي على قارعة البحث بعد سنوات الخذلان من المستعمر الأوروبي والمستعمر الآسيوي والمستمعر الإقليمي المفترس.

أيها العرب .... أيها الأفارقة.... ما حك جلدك مثل ظفرك، وإن التفكير الجاد ودراسة المشروع العربي الأفريقي كخيار إستراتيجي للكتلتين العربية والأفريقية، لن يؤدي إلا إلى حتمية واحدة وهي بناء تكتل اقتصادي عربي أفريقي قوي، ينسف كل المشروعات الأيديولوجية التركية والإيرانية والإسرائيلية التي تتوسع وتعتاش وتكبر على حسابكم.

* كاتب سعودي

Dwaihi@agfund.org