في الأسابيع القليلة الماضية تابعت عددا من الإحصائيات حول عدد الفتيات القاصرات اللاتي تم تزويجهن تحت سن الثامن عشرة وهو أمر مقلق، وأنا هنا لست للمقارنة ولست للحديث عن أي ثقافات أخرى ما أريد أن أطرحه للسؤال، ما الصورة الذهنية التي يتم زرعها في ذهن الفتاة السعودية عن صحتها وعن جسدها؟ كيف تتعامل المرأة مع فكرة الزواج والإنجاب، وكيف يعالج عقل المرأة فكرة الارتباط؟ والمشكلة هنا بالتأكيد ليست فقط مع الرجال بل أساسها بالغالب ينبع من المرأة نفسها وثقافة الأمهات والجدات التي تنمط الفتيات أن معيار قبولها الأول هو «الزواج والخلفة».

الفتاة تكبر وهي تسمع «الله يرزقك العيال والبنات، الولد الصالح، تكبري وتحكي عيالك، عيالك يخدموك»، تبرمج الفتاة على فكرة الإنجاب بدون منحها أدنى حد من القبول أو الرفض، تتزوج «جيبي لك ولد، جابت ولد: جيبي له أخو»، تتجاهل هذه الخطابات الفتيات اللاتي لا يستطعن الإنجاب وتخلف آثار نفسية عميقة، ويفوت هذا المشهد أي صوت توعوي «افحصي صحتك» فقر الدم، سرطان الرحم وسرطان الثدي، يفوتهم الحديث عن «الاكتئاب والقلق والوساوس»، تختطف الفتاة منذ سن مبكرة من أن تكون فتاة طبيعية لأن تكون مجرد آلة بيولوجية مهمتها الإنجاب والانصياع لهذه الخطابات القاتلة، فالإنجاب أمر عظيم لكن لا يكون بهذا الشكل الإكراهي، بل لا يكون من طرف واحد! وأعني هنا فكرة «الأم الوحيدة» وأنها تنجب وتربي أطفالها وحدها، وجعل هذا الأمر هو «الطبيعي» أمر تكرسه الأمهات والجدات بشكل أو بآخر«اصبري وربي عيالك» وتحاصر هذه المرأة بهذه الخطابات وتصبح «شريرة وأنانية» إن اختارت مسارا آخر.

لم يفكر أحدهم أن هذه الفتاة قد تكون ذات توجهات مختلفة؟ ميول مختلفة؟ احتياجات مختلفة؟ تقولب الفتيات كما تقولب الحلويات في المصانع وتختلف أسعارها = المهور «بحسب جودة المصنع» مكانة الأسرة المجتمعية، كأم لطفلتين أنا أشعر بالقلق أن أشارك في قولبة بناتي! لهذا عندما يطرحن أي أسئلة لي أفضل أن لا أجيبهن الأجوبة التقليدية، بل أعيد طرح أسئلتهن لهن لمعرفة ما يريدن أن يسمعن مني وفي كل مرة أخبرهن «أنا أتقبل كل ما تريدون وكل ما تحبون» وأسعى جاهدة أن لا أكون «شخصية محاكمة» كي لا أخسرهن.

صحة المرأة أكبر من تحاليل مخبرية، صحتها في أن تعيش بجو أسري يحترم كيانها ويحبها ويتقبلها، صحة المرأة أن تشعر بالحب والحنان بغض النظر عن اختلافها، صحتها في أن تجد دعما حكوميا من المستوصفات الحكومية تتابع صحتها بشكل دوري، كانت تصلني في إنجلترا رسائل دورية لتذكيري بفحص عنق الرحم وكلها مجانية، ولدينا وزارة الصحة لا تقصر في خدمة المواطنين بل لهم كل التقدير والود في رعايتهم العالية لكن اقترح أن يُطرح برنامج في نهاية العام على مستوى المملكة بعنوان «صحتك غالية»، وتكون حملات مركزة للفتيات تشمل محاضرات وفحوصات خاصة لفتيات القرى.

هذا العام وما سبقه يعكس تعزيزات حقوقية وثقافية رائعة وعظيمة للمرأة السعودية، لكن رسالتي هنا للمرأة نفسها، دورك الآن أن تكسبي الرهان، وأن تنطلقي متوهجة ومحبة ومشعة للعمل والعطاء وأن تجعلي صحتك أولويتك وأن تبني قراراتك الصحية بعقل وحكمة، وأن تضعي خطة ممتدة لحياتك، كل هذه الأمور ستنعكس عليك أولا وعلى من هم حولك والعالم بأسره، مهما كانت صعوبة أدوارك ومهما كان ألمك نحن هنا حولك، إذا شعرتِ بالضعف اطلبي المساعدة والدعم، وأيضا تفقدوا من حولكم، الحياة صعبة بما يكفي.

* كاتبة سعودية