كلمة «أزمة» باللغة الصينية 危机، تحتوي على جزأين: أولهما يمثل الخطر، والثاني يمثل الفرصة. وفي مجال الطيران المدني نجد بعضا من أجمل الأمثلة على ذلك، واخترت لكم التالي: في عام 1958 طورت كندا طائرة حربية رائعة جدا اسمها «أفرو أرو» AVRO-Arrow. كانت تستطيع الطيران بسرعة تفوق ضعف سرعة الصوت، وعلى ارتفاعات تفوق الخمسين ألف قدم، وكانت تصل لذلك الارتفاع بسرعة هائلة. وباختصار، كانت من أفضل الطائرات الاعتراضية في العالم. ولكن قبل البدء بالإنتاج الفعلي، جاءت المفاجأة من الحكومة الكندية في «ومضة» سياسية عجيبة. قرر رئيس الوزراء «ديفن بيكر» إلغاء البرنامج بأكمله بحجة التكاليف المرتفعة ووجود البدائل «عند الجيران»... يعني في الولايات المتحدة. وفي ليلة وضحاها تم تسريح حوالى 14600 عامل من قطاع الطيران الكندي من مهندسين، وفنيين، وإداريين. وكانت خسارة كبيرة لقطاع الطيران الكندي.. خسارة الطائرة المتفوقة، وخسارة قدرات آلاف العاملين في قطاع الطيران الحيوي. ولكنها أصبحت فرصة رائعة لقطاع الطيران في الولايات المتحدة. تغلغلت أفضل الكوادر الكندية في مجال الطيران إلى الشركات الأمريكية مثل «بوينج» و«دوجلاس» و«لوكهيد» و«نورثروب». وكانت المفاجأة أيضا بأن بعضا من تلك الكوادر هاجرت إلى برنامج الفضاء الأمريكي الطموح في وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» فكانت من دعائم برنامج «أبوللو» للوصول إلى القمر.

ولكن هناك ما هو أهم من ذلك، ففي تاريخ الطيران المدني في وطننا الغالي، جاءت إحدى أهم الانعطافات الأساسية في مطلع الستينات من خلال اغتنام فرصة. إلى ذلك الحين كانت حركة الطيران تعتمد على ثلاث طائرات أساسية وهي الداكوتا (الدي سي 3) والسكاي ماستر (الدي سي 4) والكونفير (340) وكلها طائرات مروحية، وكانت تعمل بالمحركات المكبسية البطيئة نسبيا. وفي عام 1961كانت الخطوط الإثيوبية لديها طلبية متقدمة لطائرتين من طراز بوينج 720 النفاثة الحديثة جدا. ولكن لأسباب مالية قررت الشركة الأفريقية الاستغناء عن الطلبية، فاغتنمت خطوطنا السعودية الفرصة واشترتهما. وبهذه الخطوة الرائعة دخل الوطن في مرحلة جديدة للنقل الجوي. البوينج 720 كانت أسرع بكثير، وأكبر بكثير، وذات مدى أطول بكثير من جميع مكونات الأسطول القديم العامل في سماء الوطن. وللعلم فالطائرة المذكورة كانت فريدة في تاريخ طائرات البوينج. فضلا لاحظ أن جميع طائرات البوينج تحمل الأرقام التي تبدأ وتنتهي بالرقم 7 مثل 707 و727 و737 و747 و777 و787 ماعدا هذا الطراز العجيب 720. وهناك المزيد، فكان تصميم الطائرة يهدف إلى تحقيق الأداء المتميز من خلال الطول الأقل، والجناح الأعرض، والحمولة الأقل.. يعني طيارة «سبورت»..«سباق». وكانت مشتقة من طراز البوينج 707 الأكبر حجما لتكون أخف، وأسرع، وأقل استهلاكا للوقود. وطولها كان أقل من البوينج 707 بما يعادل طول سيارة «لاند كروزر». وسمحت هذه المزايا للخطوط السعودية أن تستخدم الطائرة النفاثة السريعة في السفر الدولي، وفي الوجهات الداخلية أيضا بين جدة، والرياض، والظهران، وكانت خطوة رائدة فتحت الأبواب لمرحلة الطائرات النفاثة الحديثة.

وفي عام 1975 شهد عالم الطيران التجاري معركة رائعة خاضتها شركة «طيران الشرق الأوسط» اللبنانية للبقاء ضد غوغاء الحرب الأهلية التي أثرت على الشقيقة لبنان. وكانت الشركة ناجحة جدا بالرغم من تعرضها للهجوم من الداخل والخارج. وكان أحد الإجراءات التي اتخذتها هو إيجار طائراتها إلى العديد من الجهات ومنها الخطوط السعودية. وقامت بشكل خاص بإيجار طائرتي بوينج 747 العملاقتين (وهما OD-AGH و (OD AGI لمدة سنتين. وأثبتت الطائرتان قدراتهما في الأداء المتفوق التشغيلي والاقتصادي تحت ظروف صعبة. قدرات تحريك أعداد كبيرة من الركاب بسلامة ويسر لمسافات بعيدة أثناء الحرارة الشديدة، ومن المطارات المرتفعة. وللعلم فقد تفوقت في أدائها على طائرات اللوكهيد ترايستار العملاقة التي كانت أحدث إضافة للخطوط آنذاك. ولذا، حرصت السعودية بعد تجربة الطائرتين المستأجرتين لتزويد أسطولها بطائرات البوينج 747. وأصبحت من أهم وأكبر مشغلي تلك الطائرات الجامبو عبر السنين.

أمنيــــةقطاع الطيران هو من أهم مكونات العديد من المنظومات الوطنية الأساسية وفي مقدمتها الحج، والسياحة الداخلية والخارجية، والأعمال. أتمنى أن نستدرك الفرص المتوفرة في هذا المجال الحيوي بتوفيق الله عز وجل.. وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي