• مرة أخرى أخرى، ولأكثر من سبعة عقود، يتوتر الموقف، من جديد في شبه القارة الهندية، بين الهند وباكستان، بسبب الخلاف حول كشمير. الأسبوع الماضي أقدم رئيس وزراء الهند (مارنديرا مودي) على خطوة منفردة، ليس على مستوى علاقات بلاده مع باكستان حول قضية كشمير، فحسب... بل على مستوى حكومته، بعيداً عن البرلمان، وحتى المؤسسة العسكرية والدستور، بإعلانه: ضم إقليم جامو وكشمير للهند.. وإنهاء وضعها القانوني والسياسي، بوصفها منطقة متنازع عليها، تتمتع بحكم ذاتي.

هذا الإجراء غير المسبوق من قبل حكومة السيد مودي، له تبعات خطيرة على استقرار أخطر منطقة توتر إقليمي في العالم، له تبعات إقليمية ممتدة، لا تقتصر على الدولتين، فقط... بل على منطقة جنوب آسيا، في ما وراء شبه القارة الهندية، لتشمل الصين ومنطقة الهمالايا وأفغانستان. ثم هذا الإجراء الهندي الأحادي، لحسم منطقة توتر إقليمي خطيرة، مثل كشمير، من الناحية الإستراتيجية، يمتد لما وراء اهتمام مصالح وأمن دولتين نوويتين، في منطقة جنوب آسيا، ليشمل دولة نووية ثالثة (الصين) التي تسيطر على مناطق من الإقليم.

أخطر ما في هذا الإجراء الذي أقدمت عليه حكومة رئيس الوزراء في نيودلهي، هو تجاهل.. أو لنقل: الاستخفاف، وربما سوء التقدير لرد فعل الجانب الباكستاني.. الذي يمتد في حجم تصعيده غير المسبوق، ليفوق تجارب التعامل العنيف لكلا الدولتين، باحتمالات تطور المواجهات، من مناوشات على الحدود قاد بعضها إلى حروب تقليدية، منذ استقلال الدولتين 1947، إلى احتمالات مواجهة غير تقليدية (نووية) بينهما، لا يقتصر ضررها المدمر المُهلك على شبه القارة الهندية، بل العالم بأسره.

الباكستان، من جانبها، حاولت أن تتعامل، مع هذا التصعيد الهندي الخطير، بأكبر قدر من الهدوء والحكمة، تفادياً لأي تطور خطير، يمكن أن يقع. ركزت الدبلوماسية الباكستانية، على متغير التصعيد في الأزمة، لا على سلوك السيد مودي الأحادي الجانب، بالذات. بإجراءات رد فعل حكومة السيد عمران خان في إسلام أباد، الدبلوماسية والتجارية والدولية، حاولت باكستان استهداف جانب التصعيد في الموقف، بإبعاد خطر تفاعله، دون أن يعني ذلك، بأي شكل من الأشكال، استبعاد وتفادي حركة التصعيد، نفسها، لو اقتضت الضرورة الإستراتيجية ذلك.

في التحليل الأخير: لن تقبل باكستان، بالأمر الواقع، الذي تريد الهند فرضه في إقليم جامو وكشمير، بإلحاقه بالهند، لأسباب إستراتيجية عليا، تمس أمن باكستان القومي.. بل وحتى مصير دولة باكستان، نفسها، التي يقطنها ما يقرب من 200 مليون نسمة، أكثر من 95%‏ منهم مسلمون.

من إقليم جامو وكشمير تنبع ثلاثة من أكبر الأنهر (السند وجليم وجناب)، التي تشق الأراضي الباكستانية وتمد باكستان بالمياه والحياة. ضم، إقليم جامو وكشمير، للهند مع احتمالات بناء سدود على تلك الأنهر، لأغراض الطاقة.. أو الري، أو توفير المياه للشرب أو الأغراض الصناعية المختلفة، من شأنه في تقدير مؤسسات صناعة القرار في إسلام أباد، الحكم على باكستان بالموت عطشاً. أخذاً، في عين الاعتبار، عدم الثقة المتبادلة بين البلدين، الباكستان لن تقبل بأن تكون رهينة لنوايا الهند في مسألة إستراتيجية، مثل هذه، مهما اجتهدت الهند، في ذلك.

أيضاً: من الناحية الإستراتيجية، من شأن ضم إقليم جامو وكشمير للهند، أن يهدد الأمن القومي لباكستان، بصورة مباشرة، في أكثر مناطق الحدود توتراً بين البلدين. ستكون سهول باكستان الغنية، المكتظة بالسكان في شمال شرق البلاد مهددة، بصورة مباشرة، من تمركز القوات الهندية في المناطق المرتفعة من الإقليم، حيث إن الإقليم، كان يشكل من الناحية الإستراتيجية و«التكتيكية»، منطقة عازلة توفر حماية طبيعية غير مباشرة لباكستان.

بالإضافة، إلى هذه النواحي الإستراتيجية، ذات العلاقة المباشرة بأمن باكستان القومي، هناك خطر داهم ينال من شرعية دولة باكستان، نفسها، لو تمكنت الهند من فرض واقع ضمها للإقليم. الإقليم، الذي يبلغ عدد سكانه 20 مليون نسمة، تتجاوز نسبة المسلمين فيه 95%‏. باكستان، التي قامت أساساً على أساس قومي، عماده الإسلام، ملزمة دستورياً وأخلاقياً وإنسانياً، بالدفاع عن خلفية نشأتها الإسلامية، وإلا تكون قد فرطت في أهم مقومات شرعيتها وهويتها القومية. هذا المتغير القومي، ذو الصلة، بهوية الدولة وشرفها القومي وتميزها، لن تقبل أي حكومة باكستانية التغاضي عنه، دعك من المساومة عليه، دون أن تمس شرعية الدولة نفسها، في مقتل.

إذا ما فشلت المساعي السياسية والقانونية والدبلوماسية في حمل الهند التراجع عن قرارها، فإن آلية التصعيد سيُفسح المجال أمامها بأن تسفر عن مآلها العنيف... وعندها تزيد احتمالات المواجهة، لتسفر عن إمكاناتها الخطيرة والمدمرة، التي قد تتجاوز بكثير جميع أشكال الحروب التقليدية التي نشبت بين الدولتين، طوال سبعة عقود.

المواجهة غير التقليدية (النووية) بين الدولتين، لم تكن أبداً أقرب بين البلدين، كما هي الآن.. وعلى المجتمع الدولي، أن ينظر إلى التوتر الحالي بين الهند وباكستان، ليس فقط من منظور قانوني وسياسي وإنساني وأخلاقي، بالرجوع إلى القرارات الدولية ذات الصلة، بل إلى ميثاق الأمم المتحدة نفسه، باعتبار: الأزمة إستراتيجية بامتياز، تهدد سلام العالم وأمنه.. ونظام الأمم المتحدة، من أساسه.

المواجهة النووية، بين الهند وباكستان، إن نشبت بفعل عدم التعامل الدولي الجدي مع آلية التصعيد في منطقة تعاني من عدم استقرار مزمن يتمتع أطرافها بقدرات إستراتيجية غير تقليدية، لن تقتصر على نطاقها الإقليمي الضيق في مسرح عملياتها المحدود، بل سرعان ما تمتد، إلى العالم بأسره.

باحتمالات الخطورة الجماعية المُهْلِكة هذه، على العالم أن يتعامل مع الأزمة الحالية في شبه القارة الهندية.. ويغلق دائرة التصعيد في حركتها، قبل فوات الأوان.

* كاتب سعودي