أخذ قرار وضع عقوبات على محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني بعض الجدل في واشنطن، لأن الجميع يعرف أن الاتفاق «الدبلوماسي» سيكون في نهاية الأمر بالجلوس مع ظريف، كما يعرف الجميع أن وزير الخارجية في نهاية الأمر رجل تنفيذي وليس بصاحب قرار.

وقد علق على ذلك السيناتور راند بول بتغريدة «فرض عقوبات على دبلوماسيين يضعف الدبلوماسية»، وكان راند بول التقى ظريف على هامش زيارة الأخير للأمم المتحدة، واللافت أنه عرض عليه طرح أفكاره حول الحلول الممكنة للخروج من مشكلة الاتفاق النووي على الرئيس ترمب مباشرة، وهذا بالطبع بمباركة من الرئيس دونالد ترمب.

وكما ذكرت مجلة «النيويوركر» فقد علق ظريف بأن قرار قبول أو رفض هذه الدعوة يُتخذ في طهران، وأعرب عن خشيته من أن تكون هذه المقابلة مجرد جلسة لالتقاط الصور خالية من المضمون. ولم يقبل القادة الإيرانيون في نهاية الأمر بهذا اللقاء.

وظريف محق في أن القرار في طهران، وهذا ينبغي أن ينهى الحديث عن وجود تيار إصلاحي وتيار متشدد في إيران، وأن هذا التنافس الشكلي في نهاية الأمر مؤطر وفي حدود معينة، لا تمس القرارات الإستراتيجية التي تخص المرشد وحده.

الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف تعتبر أن الخطوات التي قامت بها اقتصاديا وعسكريا، هي لإنضاج ظروف حل بعد أن تكون إيران خضعت لدرجة كافية من الضغط تقودها مباشرة لطاولة المفاوضات، ولصورة في المكتب البيضاوي كما يريد الرئيس.

واتفق مع ما ذهب إليه الرئيس الأمريكي في تغريدة كتبها، حيث قال «إيران تخسر دائما في الحرب، وتربح دائما في المفاوضات»، وهذه طبيعة صانع السجاد الذي تتطلب حرفته طولة البال، لكنها من جانب آخر تؤكد أن إيران فعلا تخشى الحرب حتى لو أظهرت أنها تطلبها، خصوصا بعد إسقاط طائرة الدرون الأمريكية.

إستراتيجية الضغط التي مارستها الإدارة الأمريكية، استهدفت تجريد إيران من مداخيلها الاقتصادية بالشكل الذي يجعلها تحتاج اتفاقا أكثر شدة نحو برنامجها النووي، وسيشمل بخلاف الاتفاق السابق برنامجها للصواريخ البالستية وتدخلاتها الإقليمية.

ولهذا اتجهت إيران لرفع تخصيب اليورانيوم، وتشغيل مفاعل آراك، واستخدمت التدرج في التحلل من الاتفاق النووي، مما يحقق منفعتين؛ الأولى هي الضغط على الشركاء الأوروبيين في الاتفاق، والأمر الآخر المفاوضة مستقبلا من سقف أعلى عبر نسب تخصيب تتجاوز الموجود في الاتفاق النووي، فتبدأ التفاوض عمليا للعودة إلى نفس الاتفاق.

كما كثفت إيران ومنذ إيقاف الإعفاءات الأمريكية لمستوردي النفط الإيراني، من إطلاق الطائرات المسيرة من اليمن لاستهداف السعودية، وهذا لكي تكون اليمن هي ورقة التفاوض الرئيسية للتدخلات الإقليمية، فهي لا تريد التفاوض حول خسارة التواجد في العراق وسوريا مما يعني لبنان بالنتيجة.

وقد قالها الرئيس روحاني صراحة قبل أشهر حين زار أوروبا، وهدد الشركاء الأوروبيين من خطورة عدم التزامهم بما يخصهم من بنود في الاتفاق النووي، وعبر صراحة عن استعداد إيران للتنازل في اليمن.

وبالأمس أعلنت طهران عن احتجازها ناقلة نفط، تعتبر الثانية بعد ناقلة النفط البريطانية «ستينا إمبيرو» التي احتجزتها في 19 يونيو، وبالتالي تعزز إيران فرص تشكيل تحالف بحري أكبر، لحماية الملاحة البحرية، وهو ما يلغي بالنتيجة ورقة التفاوض التي تلوح بها دائما وهي إغلاق المضيق.

كل الأطراف تعتقد أنها تقترب من الاتفاق، لكن في منطقة تمتلك أكبر مخزون نفطي، كل ما تحتاجه لإشعال المنطقة هو عود كبريت.

* كاتب سعودي