عندما خرجت الاحتجاجات الشعبية في تونس ومصر وليبيا نهاية العام 2010 بداية 2011 كان العالم العربي قد وصل بالفعل لحالة انسداد حقيقية، لكن علينا أن نعلم أنه كان انسداداً مصنوعاً وتمت تهيئته على أعين أجهزة مخابرات دولية ومنظمات ودول إقليمية وكانت تنتظر تلك اللحظة التاريخية التي يشتعل فيها الشارع.

قبل أربعين عاماً من تلك الاحتجاجات وفي العام 1967 اندلعت الحرب المنتظرة بين العرب وإسرائيل، كانت حرباً شعبية قبل أن تكون حرب جيوش، فالعالم العربي المحتقن والمعبأ من الأنظمة الحاكمة في القاهرة ودمشق وبغداد والأردن، كان في انتظار تحقيق الوعود «الإذاعية» بإبادة دولة إسرائيل ورميهم في البحر، هزمت الجيوش العربية الثلاثة خلال ساعات، كان انكساراً مدوياً وقاسياً.

على الفور قفز «الإخوان المسلمون» على حالة الغليان الشعبية، وهم المنتشرون بكثافة في مصر وسوريا والأردن والسعودية، لم يقدموا حلولاً مدنية ولا تصوراً لنهضة تساعد في اليقظة وتجاوز الهزيمة وتكون ظهيراً للأوطان والشعوب المكلومة في شرفها العسكري، بل دفعوا بالملايين إلى الإدمان.. إدمان من نوع آخر يكره الحياة ويقدس الموت، رموا بهم في هوة سحيقة نحو الأسفل، وفصلوهم عن السياق الحضاري الإنساني الذي كان موجوداً بالفعل في العالم العربي.

بدأوا في التجهيز لهزيمة أسوأ من تلك، إنها انهيار الأخلاق والتمسك بمظاهر التدين، وتقديم الطقوس والإعلاء من شأنها، سدوا الأفق ونشروا الإحباط وسمموا الحياة وأفسدوها تماماً أمام الشعوب، لكي تسنح لهم فرصة الانقضاض على الحكم، كانت مصر والسعودية الجائزتين الكبيرتين.

في السعودية كان العمل على قدم وساق لدفع المجتمع نحو التطرف، وتم استخدام مواطن الفتن في أفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك وغيرها منصات أدلجة ومعسكرات تدريب، كانت الخطة تقضي بتحويل السعوديين إلى كائنات متطرفة مشوهة تجوب العالم لنشر الكراهية، ليحصل الصدام الحضاري بين العالم الغربي والسعودية، لإجبار الغرب على التخلص منهم. لقد كانت 11 سبتمبر إحدى الخطط التي استخدمت ونفذت.

ولنجاح ذلك دفع بالمجتمع السعودي المسلم البريء والوسطي نحو أقصى اليمين، ليستوطن لمدة أربعة عقود في مساحات التشدد والغلو.

أفسد ما بين السعوديين وبعضهم البعض، ووضع الناس عنوة بين خيارين، من عقيدته سليمة يكون منهم ومن عقيدته فاسدة يكون من المغضوب عليهم، أما معيار السلامة فعلى مقاسهم وحدهم، وعلى إثرها وضع سلم «إخواني سروري» لا يمكن لأي أحد أن يغتني أو يصعد أو يترقى إلا من خلاله.

لقد فقد المجتمع وظيفته في الحياة، ومنعت المرأة من ممارسة أعمالها وحرمت العائلة من التواصل وأصبح الشك هو السائد، ولدعم مشروعهم «السروري» نشروا أحاديث غير صحيحة أو نادرة أو ذات تفسير خاص، وعطلوا التنمية وجعلوا من أنفسهم أوصياء على الحجر والبشر.

كانوا يعلمون أن ذلك الخنق الاجتماعي والتنموي سيؤدي لا محالة إلى انفجار ذات يوم، وبقوا يراقبون المشهد والابتسامات تملأهم.

مع بدء الاحتجاجات في العالم العربي، جاءت الصدمة كبيرة جداً، فقد كانوا ينتظرون انهيار الشارع السعودي، وأن حالة الانغلاق الشديدة ستكون لا محالة القابس الذي يفجر الوضع.

إلا أن السعوديين بقوا في منازلهم، ولم يخرجوا، وصدقوا فطرتهم السليمة، لقد أنقذهم حدسهم وثقافتهم الاجتماعية والقبلية، بأن ذلك الانغلاق لا محالة سينجلي ذات يوم.

التقط الأمير محمد بن سلمان تلك اللحظة التاريخية وبدأ بفك الاختناق السعودي، وقدم رؤيته ومشروعه الحضاري، الأمير الذي جاء هبة، فهم أن أقرانه من الشباب لم يعودوا يعيشون في ذلك الجلباب، وأنهم يتطلعون معه لبناء مشروعهم الخاص.

تميز مشروع الأمير النهضوي بأربعة محاور أساسية:

أولاً: الصدمة والسرعة، فلا مجال للانتظار، وكتل الظلام المتراكمة لا ينفع معها الحلول المؤقتة، مع ملاحظة أن قطار الحضارة فاتنا منذ أربعين عاماً وأي لحظة تمهل هي سنوات من الفقد.

ثانياً: ثقة كبيرة ومحقة في شعبه بأنه «أمة» متحضّرة لحقت بها قشور غير أصيلة في العقود الماضية، شعب متعطش للتغيير باحث عن إسلامه الوسطي الذي اختطف منه في يوم مشؤوم.

ثالثاً: قدم مشروعاً حقيقياً متكاملاً.. لم يقدم مسكنات، ولا معقمات للجروح، وأي عضو فاسد قام بإبعاده، وأي جزء يحتاج للعلاج عالجه.

رابعاً: قدم برنامجاً اقتصادياً أوقف فيه الهدر ونحا باتجاه التوظيف الحقيقي للقدرات والإمكانات، وبالتوازي دشن مشروع جودة الحياة الذي عرف سره ومزجه في بعضه البعض بطريقة مبهرة وغير ومسبوقة.

نعم المنطقة كلها تعيش ذلك الاختناق والانسداد في مستقبلها، لكن القاطرة السعودية التي يقودها محمد بن سلمان تقدم للعالم العربي نموذجاً حقيقياً وخياراً آخر غير خيار الدول الفاشلة والشعوب المعطلة، وإذا أضاءت الرياض سيضيء كل الشرق، إنه الوعد الذي أطلقه الأمير قبل عام ستكون السعودية نموذجاً، ومن يصعد معنا في القطار سيصل إلى أوروبا الجديدة التي تتخلق الآن في قلب الرياض.

* كاتب سعودي