على امتداد السنوات الثماني الماضية وأحاديث الخلاف السعودي - الإماراتي لا تكاد تنتهي، مرة هناك خلاف في سورية، وأخرى في اليمن، وثالثة في شمال أفريقيا، وفي كل هذه الملفات يظهر في النهاية أن التنسيق بين البلدين كبير وعميق، وأن العلاقات بينهما وصلت مرحلة التنسيق الإستراتيجي. ومع ذلك لا تمل أدوات الحرب الإعلامية من تكرار نفس الأسطوانة المشروخة بأن هناك خلافا ويتفاقم. وقبل الدخول في فحوى تلك التخرصات لا بد من الوقوف هنيهة أمام الأطراف التي تتحدث عن هذه الخلافات المزعومة وما هو هدفها من تلك الشائعات التي تروج لها.

الطرف الأول هو التيار الإيراني في المنطقة، والذي وضع نصب عينيه على امتداد العقود الأربعة الماضية محاولة تمزيق النسيج العربي، سواء كان الاجتماعي عبر نشر المذهبية والطائفية، أو من خلال زرع الفتنة بين الدول العربية لتسهيل عملية الهيمنة على المنطقة، وعندما اجتاحت موجة ما سمي الربيع العربي عددا من الدول العربية وجد نظام الملالي الفرصة سانحة للسيطرة على الدول العربية عبر الاستمرار في تشكيل وتسليح وتدريب المليشيات الطائفية التابعة له، والتي كان قد بدأ في إنشائها ورعايتها منذ وصول الخميني إلى سدة الحكم. الاحتلال الأمريكي للعراق ونشوء الجماعات الإرهابية الراديكالية وموجة ما سمي الربيع العربي كل هذه العوامل أعطت المجال واسعا ليستمر النظام الإيراني في تنفيذ إستراتيجيته ولم يبق أمامه سوى المملكة العربية السعودية وتحالفها وتنسيقها مع دولة الإمارات العربية المتحدة، فكان من مصلحته فك عرى الأخوة والتعاون والتنسيق لكي يسهل عليه استكمال سيطرته على المشرق العربي كما يطمح. لكن المملكة قادت تحالفا عربيا بمشاركة الإمارات العربية المتحدة وقف في وجه المخطط وأعاق السيطرة الحوثية على اليمن، وأعاق تحول هذا البلد العزيز إلى مخلب قط إيراني في خاصرة شبه الجزيرة العربية، كما أن ما توهمه النظام الإيراني من سيطرة على عواصم عربية أخرى -كما ادعى أحد جنرالات الحرس الثوري- ثبت بطلانه؛ لأن الأرض ترفض وتلفظ المعتدين والغزاة، وما تزال طهران تغوص أعمق وأعمق في مستنقعات الشرق الأوسط وفيافيها.

أما الطرف الآخر فهي جماعة الإخوان المسلمين بكل تجلياتها في المنطقة سواء دولا أو جماعات أو أحزابا أو وسائل إعلام، وهذا التيار كان يمني النفس بأنه سوف يصل إلى التمكين كما تزعم أدبياتهم التي أكل عليها الزمان وشرب. وكما التيار الإيراني فإن الجماعة وجدت في ما سمي الربيع العربي فرصتها التي لا تعوض من أجل الانقضاض على الحكم، دون أن تدرك بأنها سوف تفتح أبواب الانقسامات الاجتماعية والسياسية على مصراعيها، باعتبار بعدها الأيديولوجي الذي ترفض غالبية الشعوب العربية تقبله. وبالمناسبة فإن الجماعة تدرك هذا الواقع ولكنها مع ذلك لم تعبأ بمصلحة الوطن وفضلت كما عادتها مصلحة التنظيم عليه، فكانت النتيجة أنها دفعت البلاد في مصر إلى حافة الاقتتال الأهلي، وفي ليبيا أدخلت البلاد في هذا الاقتتال، كما أرادت نقل تجاربها إلى بلاد أخرى، مما كاد يطيح بما تبقى من حالة الاستقرار. وهنا تحرك الجيش في مصر مدعوما من قطاعات واسعة من الشعب المصري. وخلال تلك الفترة العصيبة من تاريخ مصر والعالم العربي وقفت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت والبحرين إلى جانب الشقيقة مصر في محنتها الاقتصادية، مما أثار حنق الجماعة وراحت تشن بالتعاون مع الدول التي تدعمها سواء قطر أو تركيا حربا ضد المملكة وضد الإمارات بشكل خاص وضد دول الخليج بشكل عام وكانت تريد زرع بذور الفتنة بين أبو ظبي والرياض على وجه الخصوص.

المملكة ودولة الإمارات ليست معنية بالرد على الحملات الإعلامية الكاذبة، لأن الواقع الذي يشير إلى التعاون بين البلدين هو الرد الأمثل والأمضى، ففي كل مرة تقرع فيها طبول الادعاءات نجد تنسيقا وتعاونا فريدا يتكرس على أرض الواقع. ولعل المثال الأكثر بروزا والذي يستغل للإشارة إلى تلك الأكاذيب هو المثال اليمني. فالأكاذيب حول وجود أهداف إماراتية خاصة مختلفة عن أهداف التحالف لم تتوقف طوال السنوات الماضية، بل وصل الأمر إلى القول إن الإمارات سوف تنسحب من اليمن وكأنها تتخلى عن التحالف العربي. ولكن مقالة الوزير أنور قرقاش في صحيفة الواشنطن بوست كانت الرد الحاسم، فأشار إلى التعاون مع دول التحالف وخصوصا مع المملكة العربية السعودية باعتبارها التي تقود هذا التحالف، والتحركات العسكرية ما هي إلا إعادة انتشار تقوم بها كل الجيوش في العالم وبما يتطلبه العمل العسكري. هذا مثال واحد بين عشرات الأمثلة ومئات الأكاذيب التي يتم بثها كل يوم.

لا يمكننا اليوم الحديث عن طرفين بل بتنا نتحدث عن طرف واحد على الأقل من واقع الأهداف السياسية والإعلامية، وبات العداء للمملكة وكذا للإمارات العربية المتحدة هو حلقة الوصل التي تجمع بين نهجهما، على الرغم من التناقضات الموجودة بينهما. ولكن كل ذلك سوف يزيد العلاقة بين الدولتين الشقيقتين صلابة ومتانة وسوف تكون تلك العلاقات نموذجا يحتذى على امتداد العالم العربي.

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط