في مجلس (موسى الأسبوعي) كان النقاش يدور حول عدد أشكال الحج، وقد علّق أحد الحاضرين، بأنها نوعان إفراد وإقران، أما التمتع فقد حرمه سيدنا عمر في خلافته، وهذا خطأ فسيدنا عمر لا يستطيع أن يحرم أو يحلل، بل إن قول الصحابي ليس بحجة يؤخذ بها، فالمحلل والمحرم هو الله. هناك ثلاث صور لحج المسلم وعمرته وهي: الإهلال بالحج فقط، ويسمى الإفراد، أو الإهلال بالحج والعمرة معاً، ويسمى القِران.

والثالثة الإهلال بالعمرة في أشهر الحج من الميقات لمن مسكنه خارج الحرم، ثم يأتي المحرم إلى البيت فيطوف لعمرته ويسعى ويحلق، كل ذلك في أشهر الحج ثم يحل بمكة، ثم ينشئ الحج في نفس العام قبل رجوعه إلى بلده. فمن فعل ذلك سمي متمتعاً يجب عليه ما أوجبه الله في قوله تعالى: «فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى.. الآية» وسمي متمتعاً لأنه تمتع بين الحج والعمرة بكل ما لا يجوز للمحرم، وسقط السفر عنه مرة ثانية إلى النسك الثاني، وهو الحج، وسقط الإحرام عنه من ميقاته في الحج. وهو جائز، ولم ينكره نبي الأمة، وقال عمران بن حصين نزلت آية المتعة في كتاب الله، وفعلناها مع رسول الله، ولم ينزل قرآن ليحرمها ولم ينه عنها الرسول.

حتى كان زمن عمر بن الخطاب فنهى عن متعة الحج بقصد التنظيم، وهذا من حق الحاكم حتى ولو خالف النصوص الشرعية، وقد فعل ذلك لمّا رأى الناس مالوا إلى التمتع لسهولته، فخشي أن يضيع الإفراد والقِران، وبخاصة أنه يرى أن التمتع ليس هو الصورة المثالية لأداء النسك لأنه لا يتم إلا بهدي أو ما يقوم مقامه. لذا قال: «أن تُفرِقُوا بين الحج والعمرة. فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته». مستشهداً بقوله تعالى: «وأتموا الحج والعمرة لله» وقوله: «الحج أشهر معلومات»، فأخلصوا أشهر الحج للحج، واعتمروا فيما سواها من الشهور.

كما يرى أنه من غير الوقار الواجب في أداء النسك أن يتمتع من يؤديه، وقد تحمل مشاق السفر ليقصد البيت الحرام - بكل ما لا يجوز للمحرم عمله، من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشائه الحج. فأراد أن يحمل الحجاج على ما يجب من الوقار والخشية في الأشهر التي خصها الله بالفضل، فنهى عن المتعة في الحج بقوله: هي سنة رسول الله، ولكنى (أخشى أن يُعرِّسُوا بهن تحت الأراك، ثم يَرُوحُوا بهن حجاجاً). فأراد أن يخلص أشهر الحج للحج، وباقي السنة للعمرة، حتى لا يفرغ البيت الحرام من الزوار في غير أشهر الحج إذا أدى الناس الحج والعمرة معاً، فأراد أن يعمر البيت على مدار العام وفي ذلك فائدة لأهل الحرم بتردد الناس عليهم طول العام، تحقيقاً لدعوة سيدنا إبراهيم «واجعل افئدة من الناس تهوى إليهم».

فنهي سيدنا عمر عن المتعة ليحمل الناس على أداء صورتين من صور النسك أقرهما الرسول، وليس حملاً لهم على شيء مبتدع. وهذا النهي مؤقت وليس نسخاً أو إلغاء لما شرع الله في الكتاب والسنة. فما زال الناس يتمتعون حتى اليوم. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: سمعت عمر يقول: لو اعتمرت، ثم اعتمرت، ثم اعتمرت ثم حججت لتمتعت. ويعلق الجصاص على ذلك: ففي هذا الخبر اختياره للمتعة، فتثبت بذلك أنه لم يكن يحرم المتعة إلا على وجه اختياره المصلحة لأهل مكة، ولعمارة البيت. مبيناً للناس أنه -وإن نهاهم عن متعة الحج- فهي تبقى سنة، والنهي عنها لا يعني أنه نسخها أو ألغاها. ومن هنا يتضح بأن النهي كان اختياراً منه للناس في عهده، ولكن ليس منعاً من التمتع في الحج، وهنا يبرز دور الحاكم في تقيد المباح من أجل المصلحة العامة وقد فعلها سيدنا عمر في أكثر من موقف متوخياً المصلحة العامة ومقاصد الشريعة، ولم يعطل الأحكام الشرعية، ولكنه أوقف العمل بها، وهي طريقة عمرية معروفة. كتعطيل حد السرقة في عام الرمادة ومنعه الزواج من الكتابيات ومنعه بيع الجارية إذا كانت أم ولد وغيرها. لقد أراد أن ينصرف الناس إلى صورتين لأداء النسك، إلى جانب التمتع الذي لم يلغه عمر، وهو يعلم يقيناً أن لا أحد يستطيع أن ينسخه. فلولي الأمر أن يمنع الناس في زمن معين على عدم إتيان المباحات، إذا رأى في ذلك مصلحة معتبرة. وهذا من السياسات الجزئية التي تختلف المصلحة فيها باختلاف الظروف. ولم يقصد عمر أن يحمل الناس في جميع العصور على نهيه عن المتعة، فما زال الناس يتمتعون في عصره، وبعده، وقد كان مجتهداً في التعرف على المصلحة. والمجتهد دائر بين الأجر والأجرين.

فلولي الأمر أن ينظم أمور رعيته، وأن يحدد عدد الحجاج، وأن يقرر (بأن لا حج دون تصريح)، وأن يمنع الناس من تكرار الحج في كل عام. جعله الله حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً.

* كاتب سعودي