إذا أردت أن تعرف بلداً ودولة ونظاماً على حقيقته فدعك من كل الشعارات ومبادئ الديموقراطية وغير الديموقراطية واذهب مباشرة إلى سجونها، فإذا رأيت هناك أن للإنسان كرامة وحياة فاعلم أن كرامة البشر خارج السجن محفوظة ومصانة بالنظام والقانون. أنا لا أريد أن أخفف في أذهان القراء «السجن» ككلمة مرعبة وعقوبة عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ ودخله حتى الأنبياء، ولا أتمنى لقريب أو بعيد أن يخوض تجربته، ولا أريد أن أصف المشاعر المتضاربة للنزيل أو الزائر لهذا المكان، ولكني سأصف ليلة صنعت لي فكراً ووعياً جديداً عندما تلقيت دعوة كريمة من رئاسة أمن الدولة لحضور فعاليات المهرجان الثاني لأجنحة برامج إدارة الوقت فقلت في نفسي ماذا عساهم أن يقدموا أو يقولوا!

في البداية تصورت أنه سيستقبلنا أحد الضباط ثم يقوم بأخذنا لجولة لمعرض ما ثم نغادر بسلام بمثل ما استقبلنا به، ولكن ما حدث أن من استقبلنا بعد الدخول هم النزلاء وأن كل التفاصيل هم وحدهم من قام بها إنتاجاً وإبداعاً فكرياً وفنياً وإعلامياً ومهنياً ورياضياً، نخبة رائعة من الشباب والطاقات التي ضلت الطريق في لحظة خطأ أو ضُللت في أجندة معادية لوطنها فما كان من هذا الوطن العظيم وقادته إلا أن يسر أجهزته الأمنية ليس لمعاقبة هؤلاء فقط بل لإعادة الحياة لهم وإطلاق كل طاقاتهم من جديد عبر فكر سوي ووقت يدار بحرفية تراعى فيه مواهب هؤلاء النزلاء وتلبي فيهم حاجاتهم الروحية والجسدية حتى إذا ما أُفرج عنهم لم يشعروا أن هناك مساحة فراغ زمني وفكري قد تأخروا بها عمن هم خارج السجن!

مساحة هائلة من الإنتاج الإبداعي والفكري شاهدتها لتيسير وتسخير كل إمكانات النزلاء في فن تشكيلي راق ونحت ومجسمات واستديوهات حديثة لأعمال الغناء والموسيقى، وأعمال إنتاج مبدعة للنجارة والورش والصناعات البسيطة والعطور والملابس والأحجار الكريمة وإنتاج إعلامي محترف تصميماً ومحتوى للفيديو وللمجلات والصحف التي حملت أشكالاً من الآداب والفكر والعلم الشرعي التي ألّفها وصنعها النزلاء من الألف للياء وبرامج رياضية محترفة ومشاتل زراعية واحتفالات فنية وفنون مسرحية وغنائية علاوة على الخدمات الطبية الراقية والدعم المالي الشهري وتأمين زيارات عائلية بأعلى درجات الخصوصية بل وحتى حفلات الزواج تقام في داخل السجن، وفوق هذا كله تأسيس شركة لتحويل الإنتاج الإبداعي للبيع في الخارج لمصلحة النزلاء وتأمين أول الانطلاق في عالم الأعمال بعد انقضاء المحكوميات.

التقيت بكثير من النزلاء دون رقيب أو فاصل، كان الجميع سعيداً ببرنامج إدارة الوقت، أحدهم قال لي: إن ما أعيشه هنا عبر هذا البرنامج هو نصف إفراج قلت له نعم نصف إفراج وكل الحياة، ابتسم وقال: بقي لي سنة وسأنطلق مرة أخرى وأنا أكثر ثقة ومعرفة ومحبة للحياة ولوطني ولقيادته ولأهله الكرام.

أزجي التحيات تباعاً لكل القائمين على هذا البرنامج الرائع وخصوصاً جهاز أمن الدولة والمباحث العامة، وفخور بوطني وقيادته ومسؤوليه وشعبه فالسجن في الأوطان التي تنتقم من أبنائها هو أحد المصانع الكبرى لتفريخ الإجرام والإرهاب أما في الأوطان التي تعرف أن أبناءها قد يخطئون أو تختل حساباتهم بعمد أو غير عمد هو حياة جديدة وفرصة أخرى يمنحها الوطن لأبنائه ليعيدوا صياغة أنفسهم ونظرتهم للحياة وليستمتعوا بفرص وطنهم ويساعدوه في مجابهة كل التحديات.

وأخيراً أدعو أن تفتح الزيارة لهذا البرنامج لكل المواطنين وللإعلاميين من خارج المملكة ليشاهدوا بأعينهم ما لم نستطع أن نصفه ولو كتبنا عشرات المقالات، وأيضاً أن يجتهد جهاز أمن الدولة في تعميم هذا البرنامج الرائع في كل الجامعات والمدارس الثانوية السعودية كبرنامج إبداعي فكري تربوي ومهني يحتاجه كل شبابنا وشاباتنا حماهم الله.

* كاتب سعودي