لم أكن في جدة أثناء عزاء الأخ العزيز الدكتور المهندس محمد سعيد فارسي رحمه الله، فعزائي، وإن تأخر، فهو أني وددت أن أكتب شيئاً عن نفحات هذا الرجل العملي الذي منح جدة الكثير من حبه وجهده، وإذا كان هذا هو الواجب ولكن هذا الرجل تجاوز الواجب الروتيني إلى العمل الخلاق المبدع، ولنا معه بعض الذكريات، إضافة إلى تواصله الدائم مع المرور خصوصاً عندما كنت مديراً لمرور جدة، كان هو حلال أي مشكل يعترض تسهيل حركة السير، وكنا نجتمع كثيراً من الساعة السادسة صباحاً على ضفاف الكورنيش الذي في ذلك الوقت لم «يتكرنش» بعد، وكانت فكرته أن جدة تدير ظهرها للبحر الذي كان مجرد سبخة، والبحر هو أيقونتها وأجمل معالمها؛ لذا يجب أن تدير وجهها للبحر وهكذا فعل، أذكر أن سيدي الملك فهد -رحمه الله- عندما اعتلى سدة الحكم أبى أن يمر موكبه من طريق المدينة الذي كان العمود الفقري لجدة حرصاً منه ألاّ يسبب زحاماً ويشق على الناس، فأصبح يأخذ الطريق الساحلي، رغم أنه كان موحلاً، وكنا نحن كمرور نسير أمام موكبه، وهنا خطرت لي فكرة فطلبت من زميلي العقيد عبدالله رقبان -وكان قائد السير وهو من الضباط المميزين بعطائهم- أن يطرح الفكرة، وهي أنها فرصة فملك البلاد لا يجوز أن يكون طريق سيره هكذا، وأن يعمل على فتح طريق على مستوى عالٍ ليكون طريقاً للملك وقد أطلقت أنا عليه هذا المسمى، وخلال ثلاثة أشهر كان هذا الطريق الذي يعد من أفضل طرق جدة منجزاً، لقد كان محمد سعيد الفارسي بإنجازاته له حظوة عند كبار المسؤولين، فإذا طلب أقنع وبالتالي يحقق له مطلبه، ويحكي لي الأخ الرقبان أنه كان بالصدفة في مدينة كان الفرنسية، وكان الفارسي -رحمه الله- خضع لعملية في القلب، ونصحه الأطباء بالمشي لتمام الشفاء وزار رقبان الفارسي، فقال له هيا يا عبدالله خلينا نمشي وهم في الطريق شاهد الرقبان الإشارات الضوئية هناك وبها الأنوار الصغيرة التي تمكن السائق الذي عند الإشارة أن يشاهدها بحرية فاقترح على معاليه أن لو أمكن تنفيذها في جدة وعند العودة طلب أحد المسؤولين في الأمانة وأبلغه أن فوراً يتم ذلك ورجع عبدالله ووجد أن ذلك الأمر قد أنجز، أما قصة رئاسته لمجلس أعضاء شرف الاتحاد فهي أني عندما كنت مديراً لمرور جدة كان هناك اجتماع لأعضاء شرف النادي، فاقترحت عليهم الطلب من الدكتور الفارسي أن يصبح رئيساً، فتكلم بعض منهم وهم كانوا من ذوي المكانة في المجلس وعلى صلة جيدة بالمهندس الأمين وأبدوا أنه لن يوافق لمشاغله، فقلت لهم: أعطوني الضوء الأخضر وخلوا الباقي علي، فقالوا: تفضل وكان ثلة منهم يَرَوْن استحالة ذلك. فاجتمعت به (رحمه الله) وفور طرحت ذلك على معاليه استجاب، وقال: جدة في قلبي والاتحاد قلب جدة، وهكذا كان، وقدم للاتحاد الكثير من العون والدعم.

يقال من خلف ما مات، أي أن من خلف ذرية لم يمت؛ لأنهم سيكونون خير خلف لخير سلف، ويرفعون اسمه من بعده، ندياً نقياً بطيب عملهم وأخلاقهم وهم كذلك إن شاء الله، وأنا أعزي عائلته الكريمة، أواسي أيضاً أبناءه وبناته الذين ليس من صلبه، ولكن من أبناء وبنات فكره وجهده، أعزي كل طريق وكل معْلَم جمالي ونافورة جدة وكل كبري وبحيرة وشجرة نبتت في وقته، رحل ولكنه خلّف هذه العائلة المميزة من الإنجازات، أسأل الله له الرحمة، وأن تكن الجنة مثواه، «ومن خلّف ما مات».