اختلف الشعراء منذ القدم حتى عصرنا الحاضر على إعطاء الشعر مفهوماً واحداً متفقا عليه! فهو كالزئبق الذي يتشكل بحسب الإناء الموضوع فيه، يقول نزار قباني عن الشعر:

شعري أنا قلبي ... ويظلمني

من لا يرى قلبي على الوَرَق

ثم يراه محمود درويش نارا وغضبا:

يا قارئي!

لا ترج مني الهمس

لا ترج الطرب

هذا عذابي

ضربة في الرمل طائشة

وأخرى في السحب!

حسبي أني غاضب

والنار أولها غضب

ويأتي سيد البيد محمد الثبيتي ليرى الشعر جمرة حارقة:

القَصِيدةُ

إمَّا قَبَضْتَ عَلَى جَمْرِهَا

وأذَبْتَ الجَوارحَ فِي خَمرِهَا

فَهْيَ شَهدٌ علَى حدِّ مُوسْ

فَحَتَّامَ أَنْتَ خلالَ الليَالِي تَجُوسْ

هؤلاء هم الشعراء في محاولاتهم الإجابة عن ما هو الشعر! وبعيداً عن عوالم الغواية التي يتبعون! سنسلك نحن طريقاً آخر لنحاول أن نجيب عن سؤال مهم سؤال امتلك حق الوجود في عصر الرقمية التي نعيش، فهل يستحق الشعر كل هذه الجوائز المليونية والاهتمام والرعاية؟ في وقت كل ما نقوم به من جهد هو ضغطة زر لتأتينا الدنيا على جناح واي فاي!

لن أعرض لحضارات بادت ولم يحفظها غير بيت من الشعر ولن أذكر اسم شاعر أعمى كتب الخلود للإغريق، لن أستعرض لإمبراطورية لم تغب عنها الشمس ما زال اسم شكسبير من المقدسات لديها، فكيف بأمة اقترن كتابها المقدس بتحد لفنهم الشعري العظيم! الشعر هو وجود لنا، وما الاحتفاء به إلا تأصيل لعراقة وجودنا الإنساني وإذا أتى من يعايرنا أنا «حتة وسطانية» لا امتداد ثقافيا لنا، يأتي امرؤ القيس على صهوة ليلة ليكشف زيف ما قال، وطرفة مع خولة يرسمان وشماً خالدا لا يبلى لحتة هي القلب لنا!

العوالم الرقمية ليست من صنعنا فنحن مستهلكون بامتياز لها، ولغتها ليست لغتنا مهما عربناها ومهما اجتهدنا أن ننال حظاً منها فهي لا تشبهنا تشبه عصرا نحن نحاول مجاهدين أن نكون منه وفيه وهذا ليس عيباً فالعلم والمعرفة مشترك إنساني عالمي، ولكن من يضعنا على خارطة الوجود ويكتب لنا الخلود هو بيت من الشعر نسطره لنقول نحن هنا! ما أكتبه ليس حلماً أو نسجاً من وهم إنه المرآة التي نشاهدها فتعيد لنا ملامحنا الحقيقية، الشعر ليس شاشة جوال تختفي بمجرد انتهاء شحنها، الشعر يبقى يشحننا نحن بماض وحاضر ومستقبل إن أردنا ذلك!

* كاتبة سعودية