غالبا ما أحرص على حجز مقعدي في الطائرة بجوار النافذة ما استطعت لذلك سبيلا، لأني أعتقد أن فن النظر للأرض من الأعلى فيه من المتعة ما قد يقاوم كآبة المنظر ويحفز التأمل في الأفق بين الأرض والسماء، ومن خلال هذه النافذة خزنت في ذاكرة جهاز هاتفي المحمول مئات الصور لمستوطنات بشرية من أقصى الغرب الأمريكي إلى أقصى الشرق الصيني، وقد أثار اهتمامي بحكم اختصاصي العمراني أن الكثير من هذه التجمعات السكانية كانت متصلة إما بنهر أو ببحر أو كليهما وتحيط بها غابات كثيفة وحقول شاسعة، وهذا ما لا ينطبق على الصور التي التقطتها للمجتمعات السكانية المحلية من هجر وقرى فقد كانت تحيط بها الصحراء من جميع الجهات وتفتقر للمسطحات المائية والنباتية، فمن المعروف أن التواجد البشري دائما مرتبط بالموارد الطبيعية والاقتصاد القائم عليها، الأمر الذي ينعدم في قرى وهجر الريف السعودي التي تعتمد على ما توفره الحكومة من بنية تحتية ومرافق خدمية على ظهر هذه الصحراء القاحلة، وأن عدم وجود تنمية في كثير منها يعد السبب الجوهري في هجرة كثير من سكانها إلى المدن الكبرى مساهمين في ما يعرف بمشاكل المدن؟

إلا أنه خلال رحلتي إلى مدينة العلا أثناء شتاء طنطورة هذا العام اطلعت على تجربة فريدة فقد التقطت صورا لبعض القرى شمال العلا كانت على النمط المعتاد للمجتمعات السكانية المحلية، فهي عبارة عن عشرات المساكن تقع على طريق معبد محاطة بحقول صغيرة للنخيل وحقول أكبر مزروعة بأشجار شديدة الخضرة تبادر لذهني للوهلة الأولى أنها حقول زيتون فهي شبيهة بحقول الزيتون الموجودة في منطقة الجوف، وقد استغربت ذلك لكون الزيتون لا يمكن أن ينمو في هذه المناطق الحارة! مما أثار فضولي لأسأل بعض الأصدقاء هناك عن هذه الحقول فأوضح لي بعض المهتمين أنها أشجار البان التي تغنى بها الشعراء العرب وضربوا بها المثل في ليونة أغصانها ورقتها وجمال قوامها في وصف أجمل الحسنوات، قال عنها المتنبي فيما قال:

بدت قمرا ومالت خوط بان.. وفاحت عنبراً ورنت غزالاً

شجرة البان التي قرأت وسمعت عنها في الأدب العربي ولم أشاهدها قط وكثيرون يشاركوني ذلك، كانت فرصة سانحة أن أشاهد أغصانها عن قرب، فبدأت بالسؤال عنها أثناء إقامتي هناك وكان جميع من يفيدني عنها يقرن ذكر اسمها بذكر اسم الدكتور سعود البلوي والذي اعتقدت بأنه خبير في زراعة البان بالمنطقة. تحينت الفرصة لأذهب في نزهة سريعة إلى أحد حقول البان القريبة والتقيت شيخا مسنا من أبناء المنطقة عرف نفسه لي بأنه مشرف مجموعة من مزارعي شجرة البان يتبعون لجمعية قرية «جيدة» الخيرية!! وبدأ يحكي لي عن قصة البان فقال «عاصرت أجدادي يجمعون بذور البان من الجبال ويعصرونها ليستخرجوا منها سمن البان الذي يفضلونه على السمن الحيواني، ومع تغير عجلة الحياة وطوال سنوات الجدب في المنطقة الطويلة والرعي الجائر اندثرت هذه العادة وظهر جيل من أبناء المنطقة لا يعرفون شيئا عن شجرة البان التي بدأت تنمو في منابتها الأصلية على سفوح الجبال بأعداد قليلة إلى أن بعث الاهتمام بها الدكتور سعود البلوي وهو أحد أبناء قرية «جيدة»، حيث أجرى عليها بحوثا علمية وعرف الناس بها وبفوائدها ونقلها من سفوح الجبال إلى حقول أهل القرية وشجع الأهالي على زراعتها ووفر لهم بصفته رئيسا للجمعية الخيرية بجيدة دعما ماليا لكل من يزرع ويرعى خمسين شجرة منها بالمشاركة مع شركات وطنية من خلال برامج المسؤوليات الاجتماعية بها، ثم أسس معصرة لإنتاج زيت البان فوجدت حركة تجارية بالمنطقة تعتمد على بيع الزيت وشراء البذور وقد تجاوز عدد الأشجار اليوم بالمنطقة نصف مليون شجرة»، انتهى حديثه.

وأنا أغادر العلا وأنظر إلى ما حولها من القرى أخذت على نفسي عهدا أن أكتب هذه الأسطر محاولا لفت الانتباه إلى نموذجين في العلا يجب أن تدرس من أصحاب الاختصاص والمهتمين بالتنمية الريفية، النموذج الأول شجرة البان الغنية بالعناصر الغذائية الهامة وذات الزيت عالي الجودة والذي يعتبر من أفضل الزيوت المستخدمة في تثبيت العطور ويحظى بطلب تجاري عالمي، وهي شجرة صحراوية لا تتطلب زراعتها معاملات زراعية معقدة وتقاوم ندرة المياه وتطرف المناخ.

والنموذج الثاني العالم صاحب المبادرة ورجل العمل الخيري الدكتور سعود بن إبراهيم البلوي والذي يجب أن تدرس تجربته باعتباره رائدا ومؤسسا للتنمية الريفية المستدامة في المملكة وناشطا بيئيا ومجتمعيا يستفاد من تجربته الكثير من الدروس، رجل يتقن فن النظر للأرض من الأعلى.

* مهندس وكاتب سعودي