وسط زحام الحياة ومتغيرات العصر يصبح التذكير بحقوق الوالدين واجبا وحاجة مجتمعية، فهي حقوق عظيمة أوصى بها الله تعالى في كتابه الكريم، كما حثنا عليها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.. والسؤال هنا: أين نصيب الوالدين من بر الأبناء والاهتمام بهما ورعايتهما وسط الانشغال بالحياة اليومية.

الأمهات والآباء يفنون جُل العمر في رعاية الأبناء وأمورهم وهي الفطرة التي فطر الله عليها غريزة الأمومة والأبوة، والدعاء للأبناء في كل وقت بالخير والتوفيق وأفضل الأحوال، كما يسعدهم نجاحهم وزيجاتهم ويؤلمهم متاعبهم، ويكابدهم الشوق لرؤيتهم والفرح بأحفادهم الذين يملؤون دنياهم بالمرح والحياة، ولا ينتظر الآباء والأمهات سوى التواصل معهم والسؤال عنهم، وحتى في حاجتهم إلى مال لضيق في الحياة أو لظروف طارئة يشعر الأب والأم بعزة نفس لأنهم اعتادوا على البذل للأبناء.

وأمام ذلك قد يظن البعض أن الآباء والأمهات ليسوا بحاجة إليهم ويكفيهم انبساطهم وطمأنينتهم على نجاحهم في حياتهم الأسرية والعملية، وهذه نصف الحقيقة، لكن استقرار الأبناء لا يعني الانشغال عن الأهل لأسابيع وشهور دون زيارة ولا سؤال ولا تفقد أحوالهم وصحتهم وما تستوجبه من رعاية في كبرهم، وهذه حالة فهم خاطئ لدى بعض الأبناء تتسلل منه الغفلة والإهمال في الحقوق العظيمة وتثير في نفس الوالدين شيئا من الألم عندما تسقط حقوقهم من حساب الوقت والاهتمام، بعد أن كان الأبناء في طفولتهم وشبابهم وحتى بعد زواجهم وتوظفهم ومستقبلهم، هو الشغل الشاغل لهم وكفاحهم في الحياة من أجلهم.

صحيح أن التواصل الأسري كان أقوى في الماضي لظروف الحياة آنذاك ولكن الدنيا تغيرت والماضي مضى بجماليات عاداته وتقاليده، ولا يفيد الاستغراق فيه وإنما الواجب إحياء هذه القيم والروح الأصيلة بالترابط الأسري وحقوق الوالدين في الحاضر لتتواصل مع الأجيال، فالقيم والفضائل ليست تراثا ولا عادات مرهونة بزمن، إنما ترياق حياة وغذاء لروح الأسرة بالبر وصلة الأرحام بين الإخوة والأقارب، التي فيها رضا الله ورسوله ومفاتيح للخير والبركة.

أمور كثيرة تغذي روح البر، وقد تكون بسيطة لكنها محببة تجلب السرور على الأمهات والآباء، بأن لهم حظا طيبا من الوقت والاهتمام بهما بزيارات بين فترة وأخرى في الأماكن البعيدة دون انقطاع التواصل، والحفاظ على تقليد منتظم قدر الإمكان أمر مهم في ذلك مع قرب المسافات. كذلك مع كثرة أماكن التنزه ازدادت فرص الترويح على الوالدين باصطحابهما إليها أو عزومة منزلية أو في مطعم إن استطاع الأبناء ذلك.

وفي بذل البر والرعاية والحرص عليهما، يتساوى حقوق أهل الزوجة مع أهل الزوج، وهذه نقطة مهمة في الحياة بالحفاظ على الترابط الأسري الواسع، خاصة أن أهل الزوجة عندما يلمسون هذا الاهتمام والحب من زوجها تجاههم يعيشون في رضا وطمأنينة بأنه بمثابة الابن لهم.

التقنية اليوم في أيدي الجميع 24 ساعة، وفي أي وقت يتاح الاتصال بالأهل وهذا له تأثير نفسي يشبع عاطفتهم بسؤال الأبناء عنهم فيدعون لهم ويلتمسون العذر عند انشغالهم، وأخيرا في مثل هذا البر بالوالدين قدوة للأحفاد عندما يشبون على هذه الفضيلة والقيم ويحافظون عليها في حياتهم مع آبائهم وأمهاتهم وصلة الأرحام بشكل عام، وكما تكون بذور الخير تكون ثمارها من جيل إلى جيل، فلا تبخلوا بسؤال وزيارة للوالدين والأقارب، ومد جسورها جيلا بعد جيل.

* كاتب سعودي