يقال إن العصفور الذي يغرد كثيراً ينسى أن يبني عشه، ويمكن أن يكون هذا القول هو الأقرب في وصف كثير من المبدعين الحقيقيين الذين يأخذهم الاستغراق في إبداعهم بعيداً عن الاهتمام بأساسيات وضرورات الحياة المادية، إما أنهم يؤجلونها لحين الانتهاء من مشاريعهم الإبداعية التي لا تنتهي إلا متأخراً جدا بحيث تكون قدرتهم على الالتفات إلى أشياء مهمة قد أصابها الوهن، وإما يقطفهم الموت مبكراً أو يعطلهم المرض بالتضامن مع الإحباط الذي يولده الشعور بأن كل شيء قد فات، وغالباً لا نجد الالتفات لهذه الشريحة ذات الحساسية المفرطة في الوقت المناسب، بل لا نتذكرهم كما يجب حتى عندما نفقدهم، فيذهبون في غياهب النسيان البغيض بينما أعمالهم تبقى شاهدة على إبداعهم الذي لم نقدره.

لكني -للحق- أحسست بشعور مغاير لما سبق ذكره وأنا أحضر ليلة باذخة الوفاء أقامتها جمعية الثقافة والفنون بجدة بمشاركة النادي الأدبي تكريماً للفنان نبيل طاهر رحمه الله، عضو الجمعية والفنان المبدع الذي رحل بصورة درامية مؤلمة، وكان فنانا حقيقيا سخر موهبته ووقته لتدريب المواهب وصقلها في الفن التشكيلي. لم أتوقع ذلك الحضور الكبير للفنانين والمثقفين والأدباء والإعلاميين في المعرض التشكيلي الخيري الذي شارك فيه فنانون وفنانات من مناطق كثيرة في المملكة، يذهب ريعه لأسرة الفنان الراحل، وحتى لو لم يحقق المعرض مبيعات مجزية إذا لم تقم وزارة الثقافة مثلاً ووجهاء المجتمع والأثرياء المهتمين بالفن باقتناء لوحات المعرض، فإن التفكير بإقامة وتنظيم ذلك المعرض عمل نبيل ومبادرة إنسانية رائعة تتوجب شكر القائمين عليها.

انتبهوا أيها السادة للعصافير التي تغني كثيراً ولا تجد أرواحها أعشاشاً تضمها.