في قراءة للعديد من الأحكام القضائية المنشورة وغير المنشورة، والقضايا التي نسمع عن تفاصيلها ونحن نجوب قاعات المحاكم يومياً، والمتعلقة تحديداً بدعاوى فسخ النكاح بلا عوض؛ نجد أن هناك تناقضاً واضحاً بين الأحكام، في الوقت الذي نجد أن معظمها مؤيدة من الاستئناف على تناقضها، وبشكل أكثر تحديداً الأحكام المنتهية بفسخ النكاح بسبب ضرب الزوج لزوجته، حيث إن هناك أحكاماً أخذت بالتعنيف سبباً للفسخ، وآخرى لم تأخذ به، بل إن هناك من الدوائر القضائية من لا تتقصى وتسأل عن واقعة التعنيف إذا دفعت بها الزوجة، مع أن التعنيف جريمة وفق القوانين الصادرة من الدولة، وهذه الظواهر القضائية من المهم جداً تعديلها بشكل فوري، وذلك لأن التعنيف سلوك مجرم مخالف للمبادئ التي على أساسها شرع الزواج ويتناقض مع حسن العشرة التي هي قيام الحياة الزوجية؛ لذا فإن تعنيف الزوج لزوجته يجب أن يكون سبباً من أسباب المطالبة بفسخ النكاح بلا عوض، وألاّ تجبر الزوجة بأن ترفع على زوجها دعوى «خلع» وذلك بأن ترد للزوج ما دفعه من مهر حتى تتخلص من حياة الجحيم التي صنعها المُعنف لها وهي حيلة يلجأ إليها ضعاف النفوس للضغط على زوجاتهم لمساومتهن على استعادة مهرها الذي دفعه لها منذ عشرات السنين!

كما أنه يجب في حالة أن الزوجة ادّعت وجود واقعة تعنيف من زوجها وطلبت بناءً على ذلك فسخ نكاحها؛ فإنه من المفترض أن تطلب الدائرة القضائية البينة الموصولة سواء بشهود أو تقارير طبية تثبت تلك الواقعة، وألاّ تسمع من المدعى عليه «الزوج» أي تبرير لهذه الواقعة؛ لأن الجرائم لا تبرر، ومتى ثبتت هذه الواقعة بالبينة الموصولة، فإنه من المفترض أن تصدر الدائرة (فوراً) حكماً بفسخ النكاح بسبب التعنيف، وهذا هو التطبيق القضائي والعملي لأحكام نظام الحماية من الإيذاء، والقول بغير هذا إنما هو تعطيلٌ لأحكامه وتماهٍ مع جريمة التعنيف.

كما أنه في حالة فسخ النكاح بسبب التعنيف، فإن أثر هذا الحكم القضائي يفترض أن ينسحب على حضانة المطلقة لأطفالها بأن تكون الحضانة لها، حتى لا تقع ضحية ابتزاز بأن تصمت عن التعنيف والضرب خشية أن تلجأ للقضاء مطالبة بالطلاق فيتنزع طليقها أطفالها منها، وهذا الذي دفع الكثير من ضحايا التعنيف للصمت وتحمل جحيم التعنيف من أجل أطفالهن.إن التغاضي قضائياً عن التشدد بالتعنيف وجعله سبباً من أسباب فسخ النكاح لا يليق باللحظة التي تعيشها الدولة والمجتمع، ونتمنى من مشائخنا بالمحكمة العليا أن يتصدوا لهذا الأمر ويصدروا مبدأً قضائياً يقطع دابر هذا التناقض بين الأحكام الصادر بعضها من دوائر في محكمة واحدة، وتردع به كل من يسترخص وينتهك جسد الإنسان الذي قدسته الشريعة وجاءت الأحكام القانونية لحمايته.