يوسف عبدالله (جدة)

من منطلق التيسير، واستنادا إلى إتاحة المجال لأصحاب الأنشطة في ممارسة أعمالهم بكل مرونة، قرر مجلس الوزراء اليوم (الثلاثاء) السماح للأنشطة التجارية بالعمل لمدة (24) ساعة.

هذا القرار، من منظور البعض، يعد منطلقاً لإتاحة العمل في المحلات والمتاجر والأسواق طوال ساعات اليوم دون توقف، وهو برأيهم قرار يفتح المجال واسعاً لجميع فئات المجتمع بإتاحة التوجه للتبضع وشراء المستلزمات دون أي عائق يعترض التخطيط اليومي بما يسمى بـ«سباق اللحظات الأخيرة» و«الوقت الضائع» لإدراك المحلات قبل إغلاقها في وقتها المسموح نظاما، الذي يكون غالباً الساعة 12:00 منتصف الليل، أما الآن فقد أصبح هذا العائق من الماضي بعد قرار مجلس الوزراء.

إلا أنه وبطريقة أو بأخرى، تتبادر قضية لا تفتأ أن تظهر بين فينة وأخرى، فمن خلال «مانشيتات» الصحف، و«أعمدة» مقالات كتاب الآراء، و«ترند» تويتر، و«ستوري» سناب شات، و«شاشات» البرامج الحوارية، وفي كل منصة إعلامية مرئية ومقروءة ومسموعة تجد هذه القضية منبراً للطرح وإبداء الرأي سواء بالموافقة أو الرفض، وهي: «ماذا عن إغلاق المحلات أوقات الصلوات؟».

منطلق هذه القضية، من حيث وجهة نظر معارضي الإغلاق، أنها تعد عائقاً قديماً وجديداً ومستمراً لدى كثير من الأسر، معتبرين أن أوقات الصلوات تضاعف ساعات «المشاوير» وتجبرهم على «توسد الأرصفة» وافتراش ممرات الأسواق، خصوصا من جانب النساء والأطفال، ما يعطلهم عن إتمام مهماتهم اليومية وإرباك ترتيباتهم الأسرية، عطفا على عدم ملاءمة «مناظر التجمهر» في الأسواق، مؤكدين أنه لو أتيح لهم التسوق في المحلات أثناء الصلوات دون إغلاق فسينجزون مهماتهم بكل أريحية، وسيجدون الوقت الكافي لأداء الصلاة.

«عكاظ» بدورها، لم تكن آراء كتابها غائبة عن هذه القضية، إذ واكبت نقاشاتها باستمرار وفتحت المجال لإبداء الآراء بموضوعية، فانبرت أقلام كُتّاب أعمدتها تبرز أهمية وضع حل لهذا الأمر بعيدا عن المناوشات أو المهاترات غير المجدية.

ففي مقالتها التي حملت عنوان «الصلاة.. وإغلاق المحلات!» المنشورة بتاريخ (23 يناير 2018)، أوردت الكاتبة هيلة المشوح فيها: «الصلاة في أماكن النشاط التجاري كالأسواق ومجمعات المطاعم والمقاهي وغيرها لا أحتاج أن أكرر عليكم المشهد فيها «أمام الكواليس» وليس خلفها، فالبائع يغلق على نفسه داخل المحل والمشتري ينتظر في الخارج»، مضيفة: «بقي أن أسأل: الإسلام الذي رخص لنا «الجمع والقصر» في الصلاة، هل يعقل أن يشرع إجراء يناهض سماحته ويسره ليجُبها؟!».

ونشرت الكاتبة المشوح في 6 فبراير 2018 مقالة تابعة لسابقتها بعنوان «الصلاة.. وإغلاق المحلات (2)!»، سردت فيها إحدى التجارب لإغلاق المحلات أثناء الصلاة، متسائلة: «استناداً على «فسحة دخول الوقت وخروجه» ما حكم إجبار الناس على الصلاة أول الوقت ومخالفة التشريع الحكيم بتجاهل باقي هذه الفسحة؟.. وبالتالي.. أليس الإقفال «بدعة»؟!».

وإضافة إلى أصحاب الآراء الصحفية، عمدت «عكاظ» إلى نشر تحقيق صحفي عن هذه القضية بعنوان (مغلق للصلاة.. تشعل الجدل «القديم المتجدد») بتاريخ 1 مارس 2018، خاضت فيها تجارب الأسر أثناء التسوق، ورصدت آراءهم، والتقت موظفاً يعمل في محل قهوة شهير في الرياض، الذي صرح بدوره لـ«عكاظ» بأنه يتحين موعد دخول الصلاة من أجل أن يأخذ «بريك» يرتاح من خلاله من ضغط العمل، ويتصفح هاتفه و«يدردش» مع بعض الأصدقاء ويتجه أخيرا للحاق بالمصلين.

وفي مكان قريب عاشت إحدى المتسوقات موقفا عصيباً مع موظفات أحد المتاجر طالبة السماح لها بالدخول لشراء غرض معين على وجه السرعة، قبل دخول وقت صلاة العشاء بـ10 دقائق، ولكن الموظفات رفضن توسلها، وأصررن على إغلاق المحل، وسألت «عكاظ» الموظفات عن سبب الإغلاق قبل وقت قصير من موعد الآذان، وقالت إحدى الموظفات على مضض «لا أستطيع تحمل عواقب مخالفة النظام».

وحيال ذلك استسلمت المتسوقة للأمر الواقع مؤكدة أنها متوجهة لحفلة زفاف، وتنبهت أنها تفتقد غرضا معينا، وتوجهت سريعا للمحل، وقالت «كنت في الطريق أحسب الدقائق والثواني من أجل الوصول قبل موعد الأذان، ولكن للأسف الآن أنا مضطرة للانتظار نصف ساعة أو أكثر».

وفي ثنايا التحقيق، أوردت «عكاظ» رأي عضو النيابة العامة السابق المحامي نايف آل منسي، الذي يرى أن إغلاق المحلات وقت الصلاة ينتج عنه مفاسد وحرج عند البعض، لافتاً إلى أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، مضيفاً «ومن ذلك وضع الصيدليات ومحطات البنزين التي يحتاجها الناس وتقع فيها ضرورات مستمرة ووضع النساء في الأسواق عندما يحين وقت الصلاة وتغلق المحلات ويضطررن للبقاء في الطرقات وعلى الأرصفة حتى ينتهي وقت الصلاة».

ويرفض آل منسي اتهام من يدعون إلى عدم إلزام المحلات بالإغلاق وقت الصلاة بـ«محاولة تزهيد للناس عن أداء الصلاة وتقليل من فضل صلاة الجماعة في المسجد»، مؤكداً أن الأحكام ثابتة وراسخة وستظل كذلك «ولكن إلزام الناس بالقوة هو محل الخلاف، وحتى لو تم إقرار عدم إغلاق المحلات وقت الصلاة فإنه لا يجوز شرعا ولا نظاما أن يمنع صاحب المحل عامله من أداء الصلاة في محله أو في جماعة السوق كما كان عليه الحال على مر التاريخ الإسلامي».

وعوداً على بدء.. فقد تساءلت أوساط إعلامية عقب قرار مجلس الوزراء اليوم بإتاحة العمل 24 ساعة: «هل يشمل ذلك أوقات الصلوات؟»، وحيال ذلك، أكد وكيل وزارة الشؤون البلدية والقروية للتخطيط والبرامج المهندس خالد الدغيثر أن القرار لا علاقة له بالإغلاق أو الفتح أوقات الصلوات، وأوضح في اتصال مع «قناة العربية» اليوم رداً على تساؤل: «عند فتح المحل وقت الصلاة هل ستتم المخالفة وهل ستطبق عقوبات بعد هذا القرار أو لا؟» بقوله: «القرار يتعلق بالسماح بعد الساعات المسموح بها نظاما، وهي التي نقصد بها من الساعة 12 منتصف الليل وحتى الـ5 فجراً».

يذكر أن قرار مجلس الوزراء نص على أن يكون السماح للأنشطة التجارية بالعمل لمدة (24) ساعة بمقابل مالي يحدده وزير الشؤون البلدية والقروية -وفقاً للاعتبارات التي يقدرها- كما يحدد الأنشطة التجارية التي لا يسري عليها هذا المقابل، بحسب ما تقتضيه المصلحة العامة أو طبيعة تلك الأنشطة.

ويبقى السؤال الأخير: هل السماح بفتح المحلات طوال 24 ساعة يشمل أوقات الصلوات؟، وإذا كان الجواب بالنفي، هل فتح المحلات أثناء الصلوات يحتاج إلى قرار خاص به؟.