استحوذ اجتماع قمة العشرين الذي عقد في اليابان، في مدينة أوساكا، على الاهتمام العالمي لما لنتائج الاجتماع من وقع على التجارة العالمية ومسار الأزمات الاقتصادية والسياسية. فالدول الأعضاء يمثلون ٨٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أكثر من ٧٥٪ من التجارة العالمية و٦٦٪ من سكان العالم. قمة نوعية اجتمع فيها صانعو قرار الدول المؤثرة وانجلى الزبد الإعلامي الذي تراكم في السنة الأخيرة بسبب تحليلات عن غير دراية وتسييس متعمد للأحداث. من خلال هذه القمة ومثيلاتها تتضح معالم النظام العالمي الجديد أكثر فأكثر. فقد أصبح النظام العالمي أقرب الآن إلى نظام متعدد الأقطاب يتماهى فيه تحقيق المصالح مع مقومات القوة للدولة وقدرتها على تفعيل التوازنات الجديدة بين الدول العظمى لمصلحتها. فما هو حجم هامش المناورة الجديد لدى الدول الإقليمية على الساحة الدولية؟

النفوذ السياسي للقوى الإقليمية يزداد ليس فقط في محيطها الطبيعي بل في ومن خلال أروقة التفاوض بين الدول العظمى.

في نظام متعدد الأقطاب ينعدم التفرد السياسي والاقتصادي الأحادي على الساحة الدولية، وذلك أن الكفاءة السياسية للدول الكبرى ستعتمد أكثر على الإقناع ومواءمة المصالح وأقل على آليات السياسة القسرية، الدبلوماسية منها أو الاقتصادية. ستفقد التهديدات الأحادية الموجهة للدول الإقليمية الفاعلة تأثيرها شيئا فشيئا، أقلها لوجود دولة كبرى منافسة تتحين الفرصة المناسبة لتقديم البديل. فالولايات المتحدة، كما الصين وروسيا، تسعى إلى عقد تفاهمات مع الدول الإقليمية لتتماهى سياستهما قدر الإمكان، وآلية هذا التفاعل تتجلى بكون كلما سعت الدول العظمى لاجتذاب دولة إقليمية ما سيزداد هامش استقلالية القرار لدى الدولة.

تزامن هذا التحول للنظام العالمي مع تبلور مفهوم الهوية الوطنية وأولوية المصالح الوطنية في دول إقليمية. فهامش المناورة السياسية المتاح الآن يتوجب أن يواكبه رؤية واضحة للألويات وتمكن من تفعيل الأدوات السياسية لدى الدولة. يمكن للمراقب أن يلحظ أن توقيت هذا التحول للنظام العالمي أثر على تسارع وتيرة النهضة الاقتصادية في دول إقليمية رائدة كالمملكة العربية السعودية. فزخم البناء الاقتصادي والاجتماعي تزامن مع رؤية واضحة وتوفر البدائل الداعمة لنهضة الدولة. كما أن التنافس بين الدول الكبرى أثر على جودة العرض سواء في مجال التقنية الحديثة، أو الصناعات، أو حتى شروط الانتفاع في العقود المبرمة.

من الطبيعي مثلا أن نرى التفاهم الروسي – السعودي على ضبط إيقاع إنتاج البترول واستقرار سوق النفط، وازدياد عروض الاستثمار في المملكة من قبل كل من الصين وأوروبا والولايات المتحدة. من جهة أخرى تسعى الولايات المتحدة لتدارك وتحجيم الخلافات مع دول إقليمية كمسألة شراء تركيا لمنظومة الدفاع الروسية، هل لتمكنها من تحييد الخطر الأمني من التداخل التقني مع المنظومة الأمريكية؟ لا، ولكن لانتفاء مصلحة الولايات المتحدة في خسارة تركيا كاملا لصالح روسيا والصين.

إعادة تشكيل التوازنات بين الدول الكبرى في النظام العالمي الجديد أوجدت هامشا للمناورة وأثمرت عن رابح، وهي الدول الإقليمية صاحبة الرؤية الاقتصادية والأجندة الوطنية، والمتمكنة من أدواتها السياسية القادرة على تجيير التغييرات الدولية لمصلحتها.

* رئيسة مركز دراسات المخاطر السياسية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا في الولايات المتحدة الأمريكية