أ. د. محمد بن مصطفى بياري*
«خدمات الرعاية الصحية لحجاج بيت الله الحرام»، تعد عنصر أساس في «روزنامة» الخدمات والتسهيلات المتعددة والمتنوعة التي تُقدّمها حكومتنا الرشيدة -أيدها الله- لضيوف الرحمن في كل موسم حج، وتقع في قمة أولويات وزارة الصحة وفي مقدمة اهتماماتها، لتشهد مواسم الحج جهوداً متواصلة ومكثفة لكوادر «الوزارة» وطاقاتها البشرية، مدعومة بالتقنيات الطبية الحديثة، لخدمة حجاج البيت العتيق، وتنفيذ إجراءات وقائية مشددة للحفاظ على سلامتهم، منذ وصولهم حتى مغادرتهم لبلادهم.

ومن هنا تأتي أهمية: «التوعية الصحية للحجاج»، التي تتم على مرحلتين: «توعيتهم في بلدانهم وقبل وصولهم لأراضي المملكة»، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الجهات المختصة في تلك البلاد، والمرحلة الثانية: «تتم بعد وصولهم»، وذلك بتوزيع عدد من المطبوعات من مطويات وكتيبات صحية توعوية، تتضمّن أنواع اللقاحات المطلوبة قبل الحج، وبعض الإرشادات الطبية أثناء موسم الحج، وتعليمات لمرضى الأمراض المزمنة وكيفية التعامل معها وللعجزة وكبار السن والمرأة والطفل، والتعريف ببعض السلوكيات غير الصحية المسببة لانتشار الأمراض، مع إعداد جلسات تعليمية بلغة الإشارة لذوي الاحتياجات الخاصة من الحجاج، لتتسق هذه الجهود مع جهود وزارة الصحة التي قامت بتخصيص موقع إلكتروني للحج يضم النصائح التوعوية التي يحتاجها الحاج بعدة لغات. كما تأتي ضرورة تفعيل أدوار المكاتب الطبية: «البعثات الطبية» التي ترافق مكاتب شؤون حجاج كل دولة في الموسم، لتتسق جهودها مع هذه الجهود المبذولة وتتكامل معها، وذلك بصفتها: «خط دفاع أول»، ومن منطلق أن هذا الدور يعتبر من أوجب واجباتها ومن صميم أعمالها ومهماتها، وبوصفها الأكثر دراية ومعرفة وإلماماً بنوعية الأمراض التي يعاني منها حجاج بلادها، ولكي تؤدي دوراً ملموساً في مساعدة الجهات الطبية في المملكة، وذلك بـ«فرز» الحالات المرضية الخفيفة في مقرات سكنهم وفي المخيمات وإعطائها العلاجات المناسبة، بغرض تخفيف الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والإسعافية في المدينتين المقدستين: (مكة المكرمة والمدينة المنورة)، وفي المشاعر المقدسة، وإتاحة الأسرّة والفرص العلاجية فيها للحالات المرضية المتوقع أن يتعرض لها بعض الحجاج، ولبعض الحالات الطارئة والأكثر شدّة وحرجاً واحتياجاً للإشراف الطبي والمتابعة المستمرة.

ومن هذا المنطلق، ولتعزيز هذا الجانب الحيوي والمهم وتأصيله وتكريسه، يأتي اهتمام الجهات المختصة في المملكة المتعاظم بطب الحشود: (Mass Gathering Medicine)، الذي يعد فرعاً مهماً وحيوياً من فروع الطب، ويقوم بالدراسات ووضع الخطط والإستراتيجيات التي تسهم بشكل إيجابي في تقديم خدمات صحية فعّالة أثناء التجمعات والحشود، حيث يرى البعض أن: «طب الحشود»، هو الملاذ الآمن في طب الطوارئ للرعاية وما قبل اللجوء للمستشفى، وذلك لفعاليته ولأدواره المحورية في مجالات إعداد برامج تطويرية وتثقيفية وتدريبية، بالإضافة إلى تجهيز كوادر وطنية مدربة ومؤهلة في مختلف مجالات صحة الحشود، بما في ذلك إدارة الحشود: (التخطيط والتجهيز)، وطب الطوارئ، وإدارة الكوارث، وغيرها من المتطلبات.

وهنا أُشيد بمبادرة وزارة الصحة بتأسيس: «مركز عالمي لطب الحشود»، بهدف إجراء دراسات نوعية لقياس أثر التوعية الصحية بين الحجاج في الحد من المخاطر الصحية، ومعرفة مدى فاعلية الرسائل التوعوية الصحية المقدمة لهم، وملاءمتها لثقافاتهم، وتأثيراتها على سلوكياتهم، لوضع إطار مرجعي لتخطيط البرامج الصحية التوعوية، بآليات تضمن التأثير الفعّال بين الحجاج، وإنشاء قاعدة بيانات معلوماتية للدراسات والبحوث، تخدم تطوير خطط الشراكة في مجال صحة وإدارة الحشود، إلى جانب تشجيع البحوث التطبيقية، ووضع خطط وآليات عمل لتفعيل المساهمة المجتمعية، وذلك بالتعاون مع الجهات المختصة.

* الأستاذ والاستشاري بكلية طب الأسنان بجامعة أم القرى