منذ أن قامت مطابع الطليعة «الشيوعية» في الكويت بطباعة رسائل جهيمان «مجانا» والمساعدة في تهريبها ونشرها في داخل المملكة قبيل اقتحامه الحرم المكي الشريف العام 1980، وبعض الكويتيين يعتقدون أن الشأن الداخلي السعودي أمر مستباح لهم، وأنه من المسموح الحديث والنقد والتحالف مع من يريدون على حساب السعودية ومشاعر شعبها، في المقابل لو تحدث سعودي لأمطروه بالردود القاسية والانفعالية والدهشة من التدخل في شأنهم.

ما زلت أتذكر تلك المساجلات الصحفية التي حصلت في العام 1995 بين كتاب سعوديين وكويتيين عبر مجلة المجلة «السعودية»، التي كانت تصدر في تلك الأيام، وصحيفتي القبس والوطن الكويتيتين، كان من بينها مقال شهير تحت عنوان مثير يقول «إن نسيتم فلن ننسى»، وهو عنوان اختصر الكثير من المعاني في باطنه، إذ كان الكويتيون «حينها» يطلبون من الجسم الصحفي والإعلامي في السعودية الالتزام بخط الكويت في «حصار» العراق وملاحقته في أصقاع العالم. لم يكونوا يتسامحون وربطوا علاقاتهم مع السعوديين وغيرهم من هذه الزاوية.

لم تستمر تلك السحابة إلا بضعة أشهر بعد الاحتكاك الخشن بين الصحفيين والكتاب والمطبوعات السعودية الكويتية، ثم غابت في المساحات الخلفية للعلاقة التي غلب عليها تفهم سعودي للمشاعر الكويتية.

العلاقة الثقافية السعودية الكويتية تعود إلى ما قبل ذلك بكثير، تخفت وتتصاعد حسب المراحل والتقاطعات والنظرة للملفات العربية أو الإقليمية، فخلال الستينات والسبعينات والثمانينات وحتى مطلع العام 1990 كان يتصرف بعض المثقفين الكويتيين باتجاه الجسم الثقافي والحضاري في المملكة بتعال وتنمر. كانوا ينظرون للسعودية بعيون العراقيين والفلسطينيين الذين أثروا تأثيرا كبيرا في المشهد الثقافي والإعلامي الكويتي، وصاغوا بعض تياراته التي كانت تتبنى نظرة عرب الشمال تجاه عرب الخليج، لكن كل ذلك سقط مع احتلال صدام للكويت واطلاعهم على الواقع التنموي المذهل في السعودية.

بالتأكيد أن الرياض شعبيا ورسميا لم تتعامل مع الشأن الداخلي الكويتي أبداً ولم تتدخل فيه بل لطالما أبقت الرياض نفسها منحازة لقضايا الكويت دفاعا عنها منذ تحرك الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم 1961 للدخول إلى مناطق جنوب البصرة وإرسال السعودية جنودها وتصديها العربي والدولي لتلك التحركات العسكرية، مرورا بحرب الناقلات التي حرمت الكويت من تصدير نفطها في ذروة الحرب العراقية الإيرانية، وتجاوز الرياض عن تعويذة كأس الخليج 1989 المقامة في الكويت التي أثارت حساسيات تاريخية لم تكن مقبولة، وانتهاء باقتلاعها كدولة العام 1990 من جنوب البصرة ووقوف المملكة حكومة وشعبا مع الكويت قيادة ومواطنين وتسخير أموالها وطاقاتها لتحرير الكويت.

اليوم يبدو الشأن السعودي حاضرا في المشهد الكويتي بلا مبرر، حضور خشن للأسف يَستخدِمُ قطر وتركيا وفلسطين والحوثيين وحتى إيران لتصفية الحسابات بين التيارات والانحياز من مشاهير ورموز التيارات السياسية والثقافية الكويتية ضد ما تشهده المملكة من حراك تنموي ونهضة اجتماعية، وكل من أراد التنفيس عن مشكلاته السياسية أو الاستفادة من الفرصة المالية «القطرية» يبدأ بتسديد اللكمات للشأن السعودي.

كل ذلك يجعل السعوديين يتذكرون بكثير من الدهشة كيف أنهم لم يعترضوا أبدا على خيارات الكويتيين منذ استقلالهم وحتى اليوم، بداية من زكي طليمات أبو الفن الكويتي الذي درس وعلم مئات الفنانين الكويتيين في المسرح والدراما. لقد كانت مسارح الكويت تعج بالممثلات اللاتي تعلمن الفن على يديه، وحتى عندما كان تلفزيون الكويت يبث أغاني من مثيلات «توني عرفتك زين» التي كانت باكورة الكليبات المختلطة لم نغضب ولم نندهش، وعند إقرار دمج الطلاب والطالبات في الجامعات الكويتية فضلا عن بقية المراحل الدراسية لم نبد أي حساسية، وعندما بدأت الكويت مهرجانات هلا فبراير المليئة بحفلات الغناء وتوافد الفنانين والفنانات لم نصرخ مستشرفين على الكويت والكويتيين، لأننا رأيناها شأنا اجتماعيا كويتيا خالصا.

* كاتب سعودي

massaaed@

m.assaaed@gmail.com