في كل صباح ومساء حين ذهابي وعودتي لمنزلي في إنجلترا أسير داخل مقبرة «سانت ماري» الملحقة بالكنيسة الرئيسية في مدينة ريدنق، وهي مقبرة تاريخية لجنود الحرب العالمية الثانية وكبار الشخصيات، المقبرة مفتوحة للمارة ومزينة بالزهور وممرات المشاة وتقع في قلب المركز، تقف أمامها كافة أنواع المواصلات، في الأحد تشاهد الكنيسة تفتح أبوابها للعامة وتعلن عن أنشطتها الخيرية وتطلب الدعم من السكان.

وفي كل مرة أسير داخل هذه المقبرة أستحضر صوت عيسى الغيث، وأعني هنا «فكره» حينما كان الصوت العقلاني والمنصف في مطالبة البلديات بالسماح للسيدات بزيارة المقابر، الغيث رجل ضليع وناقش القضية بكل أبعادها الشرعية والقانونية مشكوراً، ولم يكل أو يمل رغم كل التشنيعات التي طالته والأصوات الفجة التي أفزعها «صوته».

سأناقش بكل وضوح الجانب الاجتماعي، فالمشكلة الكبرى التي أراها هي المبالغة من قبل المعارضين من منطلق «التبرير الذكوري mansplaining»، وهو آفة المجتمعات، ويعني أن يعالج الذكر مشكلات المرأة من منطلق ذكوري بحت، فالمعارضون يتحججون بالدين وهم معظمهم لا يمتثلون لأوامره لكن لماذا يخيف هؤلاء دخول النساء للمقابر؟

لأنهم باختصار لا يريدون أن يكتشفوا قوة المرأة، فهي يجب بنظرهم أن تكون ضعيفة وخائفة ومهزوزة ومنهارة! الذكر لا يريد أن يرى المرأة في المقبرة! لأنه يفزعه أن تستغني عنه! المسألة وجودية! وهو مرعوب من أن يرى المرأة تقف أمام قبره! نعم هذا هو التحليل السلوكي والمجتمعي الظاهر، تنميط المرأة أنها ضعيفة صناعة المجتمع، فكيف نسمح لها أن تزور المقبرة!

فوق هذا يتجاهل الناس أيضاً، أن بعض الأسر مكونة من البنات فقط! فهل يحرمن من دخول المقبرة فقط لأجل هذه القيود التي وضعناها لنرضي أنفسنا؟، التعمق في فهم المجتمع لا يأتي بالصراخ والهجوم، نحتاج لصوت العقل ويحسب لعيسى الغيث هذا الطرح العقلاني أمام الجموع التي يقودها الوعي الجمعي وتأبى أن تقدر قيمة عقلها وتستخدمه، عقول معطلة للأسف.

* كاتبة سعودية

Areejaljahani@gmail.com