علي فايع (أبها)
أكد الكاتب والإعلامي حسن آل عامر أن القادة العثمانيين كانوا يتفاخرون بقتل أسراهم بدم بارد في مذكراتهم، وأضاف في الأمسية التي قدمها في مجموعة حرف التابعة لجمعية الثقافة والفنون في أبها وأدارها عيسى مفرح عن كتاب الحملة العثمانية على عسير عام 1288هـ، أنه ليس باحثاً في التاريخ ولا متخصصا ولكنه قارئ لما تقع عليه يديه وخصوصا ما يتعلق بتاريخ منطقة عسير، وبعض الكتب عن الفترة العثمانية في المنطقة، وأن لديه ملاحظات ورؤى حول بعض مضامين الكتاب وخصوصا ما يتعلق بنظرة العثمانيين للعرب بشكل عام.

وذكر آل عامر أن الكتاب من إصدارات «دار بلاد العرب» للنشر والتوزيع لصاحبها الدكتور محمد بن عبدالله آل زلفة الذي قدم للكتاب وحرره، وهو عبارة عن مذكرات كتبها شخصان من أفراد الحملة العثمانية على عسير عام 1288هـ الموافق 1872م.

وأكد آل عامر على أن محاصرة قوات الأمير محمد بن عائض لميناء الحديدة كانت الجمرة التي أحرقت قدم الدولة العثمانية، فاستنفرت جميع إمكاناتها لاستعادة السيطرة على عسير واليمن، وأن الشخص الأول الذي وردت مذكراته في بداية الكتاب هو شخصية وصفها الدكتور محمد آل زلفة بالغامضة، أما الشخص الأهم الذي ارتكز الكتاب على مذكراته فهو أحد قادة تلك الحملة وهو أحمد راشد باشا، الذي كان قائدا لمحور محايل والتي اتُخذت في بداية التشكيل الإداري لمنطقة عسير بعد الاحتلال العثماني مقرا للإدارة والقيادة، وأضاف آل عامر أن الشواهد الحية والروايات الشفهية التي تتناقلها الأجيال تُجمع على أن الحملة العثمانية عاثت فسادا في الأرض ومارست أبشع أنواع التعذيب والقتل الوحشي وخصوصا في فتراتها الأولى والوسطى في منطقة عسير، وفي الوقت نفسه لم تقدم أي مشروع يخدم المجتمع سوى بناء القلاع الحربية والسجون، وفوق هذا تأخذ ما بين أيدي الناس من أرزاق قليلة لا تكاد تسد جوعهم وفقرهم في تلك المرحلة وخصوصا منذ عام 1834 حتى 1872م.

وأكد آل عامر على أن هذا الكلام ليس كلاما إنشائيا من قبله، ولكن هذا ما ورد على ألسنة أصحاب الشأن وهم من شاركوا وقادوا تلك الحملات المتوالية للدولة العثمانية مستشهداً في ورقته ببعض ما ورد في تلك المذكرات من اعترافات صريحة بالقمع والتنكيل، وأكد على أن كتاب المذكرات الذي ألفه أحد القادة العثمانيين الذين شاركوا في الحملة يحمل العديد من الألفاظ النابية واللغة الاستعلائية على أبناء منطقة عسير، كما أنه يحتوي على اعترافات تؤكد الوحشية التي كان يُعامل بها العرب بشكل عام ومنهم أهالي منطقة عسير من قبل الجيش العثماني الغازي، وأنّ هذه الممارسات موجودة منذ بداية حملات محمد علي باشا على منطقة عسير 1229، واستشهد على ذلك بما أورده المؤرخ الراحل علي أحمد عيسى من نزول قوات محمد علي باشا في ميناء القنفذة التي عاثت فساداً في أهلها بتقطيع رؤوسهم وآذانهم وترسلها إلى مصر دليلاً على انتصارها في عسير.

واستعرض آل عامر العديد من نبرات الاستعلاء والفوقية واحتقار العرب التي لم تكن وليدة اليوم بل هي إرث تركي عثماني يؤكده المؤلف نفسه «أحمد راشد باشا» الذي كان يقول عن محمد بن عايض وجنوده بأنه «جمع حوله كثيرا من المشايخ والأهالي، فصار لديه من الحشرات والأعوان الخونة جمع غفير»، وهو هنا يصف أهالي منطقة عسير الذين كانوا ضمن رعايا الدولة العثمانية بـ«الحشرات» لأنهم قاوموا الظلم والطغيان التركي.

وختم آل عامر ورقته بالتأكيد على أنّه لم يكن للجيش العثماني الغازي لمنطقة عسير وغيرها من أقاليم الجزيرة العربية سوى النهب وتحصيل الضرائب من الفقراء الذين لا يجد بعضهم قوت يومه وفي الكتاب اعتراف صريح بهذا على لسان القائد التركي نفسه، إضافة إلى ما أورده الباحث محمد حسن غريب في الجزء الأول من كتابه «بلدة رجال» الصادر عن نادي أبها الأدبي حيث ذكر في معرض حديثه عن علاقة العثمانيين بتجار «رُجال» أنه في أواخر الوجود العثماني في عسير ومع الضائقة المالية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية في عهد محيي الدين باشا (1332 ـ1337) بعث برسالة إلى تجار بلدة «رجال» يطلبهم فيها قرضا ريثما تصل الإمدادت من تركيا، ولما كانت سوابق كثيرة لنهب أموالهم وأموال تجار آخرين، قرروا رفض الطلب، وخرجوا ليلا من البلدة، واختفوا هم وأولادهم في عدة قرى برجال ألمع وبعضهم دفنوا أموالهم في مدافن مخفية تحت الأرض خوفا من بطش الجنود العثمانيين الذين كانوا يأخذون ما بأيدي الناس بدلا من خدمتهم.

وفي المداخلات التي شارك فيها الدكتور أحمد آل فايع والدكتور علي عوض وأحمد عبدالمتعالي وإبراهيم طالع وعلي مغاوي وآخرون، أثنى المداخلون على الورقة وتباينوا في الآراء عن الدولة العثمانية بشكل عام والعثمانيين في منطقة عسير بشكل خاص. وفي الختام شكر مدير جمعية الثقافة والفنون في أبها أحمد السروي الحضور الكبير الذي أثرى الورقة وقدم الهدايا لضيفي اللقاء.