سنوات طوال مرت وما زال الجدل قائما في السعودية حول مسألة إجبار المحال التجارية على التوقف عن البيع وإغلاق أبوابها خلال أوقات الصلوات، وهو الأمر الذي يتسبب عادة في تعطيل مصالح الناس وسرقة أوقاتهم، حتى نشأت ظاهرة معيبة جدا بحق المجتمع السعودي تتمثل في جلوس النساء على أرصفة الشوارع بانتظار عودة افتتاح أبواب المتاجر، وهو أمر لا يقبله الذوق السليم ولا يحث عليه الدين.

ولعل ما يجبر أخواتنا وبناتنا على تلك الجلسة غير المستساغة ذوقا وعقلاً هو بُعد منازل معظمهن عن الأسواق، بحيث تصبح عملية الذهاب إليها والعودة منها بعد الصلاة غير مجدية وعالية التكلفة وهنا يُقال وما حيلة المضطرة إلا الجلوس على الرصيف واستنشاق غبار وأدخنة السيارات وربما التعرض للمعاكسة والتحرش وهي بانتظار الفرج.

الإنسان يصلي لأنه مكلف بذلك دينيا وهذه مسألة لا خلاف عليها، لكن المتجر ليس إنسانا بل جماد لا دين له ولا يمكن أن نفرض الصلاة على الجماد.. هل رأيتم متجراً من فروع ستاربكس أو ماكدونالدز أو حتى (أبو ريالين) توضأ يوما وذهب لأداء صلاة الجمعة على سبيل المثال؟!

وإن كنا مهووسين بالتحرز الديني لهذه الدرجة فلماذا لا نغلق المطارات خلال أوقات الصلاة ونمنع الطائرات من الإقلاع ونجبرها على الهبوط وقت الصلاة ونمنع كذلك كاونترات إجراءات السفر من استقبال المسافرين، فما ينطبق عليها ينطبق على المتاجر أيضاً.

لست بصدد مناقشة مدى مشروعية عملية إجبار المتاجر على الإغلاق للصلاة 5 مرات يوميا من الناحية الدينية فقد اُشبعت هذه المسألة بحثاً، وتوصل البعض إلى أنها بدعة مستحدثة لم توجد حتى في أيام الخلفاء الراشدين.

ولست كذلك بصدد شرح مدى الضرر الذي تلحقه هذه الظاهرة بالاقتصاد الوطني بسبب تعطل الحركة التجارية كاملة في البلاد لساعات دون سبب مقنع فالصلاة يمكن أن تؤدى في المتجر بل وفي ساحات المعارك أيضا كما يعرف كل مسلم.

ما يهمني هنا هو ضرورة وضع حلول عاجلة للأزمة القائمة لحين توصل السادة المختلفين حول القضية إلى نقطة التقاء، وهي حلول بسيطة وممكنة تحفظ كرامة المتسوقين المهدرة على الأرصفة وتضمن أجر صلاة الجماعة في المسجد لعمالة المتاجر، وتدفع بهذا الملف ليحل نفسه آليا بدون مشاكل.

الحل المقترح الأول هو إجبار كل محل يغلق أبوابه للصلاة على توفير مساحة جلوس وانتظار لائقة ومغلقة ومكيفة ومجهزة بالخدمات للعملاء خصوصا من النساء ومجهزة كذلك بأقسام لرعاية الأطفال، وتخيير المتاجر التي ليس لديها إمكانية لإيجاد مثل هذا البديل بخيارين لا ثالث لهما؛ أحدهما عدم الإغلاق والاستمرار في العمل خلال أوقات الصلاة والاكتفاء بتناوب العمالة على الصلاة داخل المتجر، والخيار الآخر دفع ضريبة للدولة تخصص لتوفير أماكن لائقة لانتظار الزبائن ويا دار ما دخلك شر.

الحل المقترح الآخر (حل طريف) لكنه ممكن إن أجبرتنا عليه الظروف، فليس هناك ما هو أكثر طرافة من مهارتنا في تعقيد أنفسنا، ويتمثل هذا الحل الطلائعي في أن نقسم المتاجر إلى متاجر للملتزمين بالإغلاق ومتاجر لغيرهم، ونترك الخيار للناس لسلوك الطريق الذي يناسبهم ويتناسب مع وقتهم وظروفهم، وأيضا يا دار ما دخلك شر!.

* كاتب سعودي

Hani_DH@

gm@mem-sa.com