«شرف لي أن ألتقي ولي العهد السعودي وهو صديق فعل الكثير لبلاده» بهذه الكلمات استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، كان يمكن أن توضع تلك الكلمات في إطار المجاملات البروتوكولية والكلمات التقليدية التي تلقى في هكذا مناسبات، ولكنها بالتأكيد لم تكن كذلك، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الحرب الشرسة التي خاضتها جماعات وتنظيمات ودول خلال الشهور والأسابيع الماضية ضد المملكة العربية السعودية وقيادتها وعلى الأخص الأمير محمد بن سلمان. ومن هو مطلع على الواقع الإعلامي في العالم العربي وعلى الصعيد العالمي يدرك مدى ضراوة تلك الحرب. لقد نزلت كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وكذلك نظيره الروسي فلاديمير بوتين وغيرهما من القادة الذين التقوا الأمير محمد بن سلمان على هامش اجتماعات قمة العشرين في أوساكا في اليابان كالرصاص على أفئدة وعيون كل أولئك الرهط الذي شارك في تلك المحاولات البائسة للنيل من المملكة وقيادتها. خيبة الأمل والصدمة حاصرتهم بعد اكتشافهم بأن كل ما بذلوه من جهود ذهبت أدراج الرياح، وأن المملكة ما تزال الرقم الصعب في منطقة ملتهبة وفي توازنات مرتبكة، وأن تلك الجهود لو بذلت في التقريب بين الشعوب وفي مد جسور التعاون مع المملكة ودول المنطقة لكان ذلك أكثر فائدة لهم ولشعوبهم.

اجتماع قمة العشرين في اليابان كان استثنائيا في القضايا المطروحة وجرى في فترة حيث تزداد فيها التوترات على صعيد الاقتصاد الدولي، بعد الحرب التجارية بين واشنطن وبكين وكذلك أزمة هواوي والعلاقات غير المتوافقة بين ضفتي الأطلسي على غير العادة وتصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، والأهم من ذلك هو أفول العولمة والنموذج الاقتصادي الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب الباردة وعودة الحمائية مرة أخرى كنموذج للسياسات الوطنية. لا يتسع المقام للتطرق لكل هذه القضايا المعقدة ولكن يمكن القول إن قمة أوساكا نجحت إلى حد بعيد في تخفيف التوتر على صعيد أكثر من ملف دون أن يعني ذلك تلاشي الخلافات بين الأطراف الدولية الفاعلة على المستوى الاقتصادي. على صعيد المملكة العربية السعودية فقد كانت مشاركة الأمير محمد بن سلمان استثنائية وأثبتت مدى قدرة الدبلوماسية السعودية على بناء جسور التعاون مع مختلف الأطراف وبناء مروحة من العلاقات الاستراتيجية مع الدول الفاعلة على المسرح العالمي، لذلك فقد حظي الزعيم الشاب بتقدير واحترام من قادة الدول الكبرى، لأن المجتمع الدولي الممثل بهؤلاء القادة يدرك مدى أهمية المملكة واستقرارها في منطقة الشرق الأوسط، باعتبار أن المملكة هي قلب العالم العربي وقاعدته الصلبة في ظل سيولة الدولة التي تمر بها دول كثيرة في المنطقة وفي ظل أزمات متفجرة تعصف بأكثر من بلد عربي. كما أن هذا المجتمع الدولي يدرك أن المملكة هي قلب العالم الإسلامي وروحه وأن كل المحاولات المستميتة للسطو على هذا الدور الذي تمثله الرياض فشلت وستفشل، ومن يحاولون القيام بذلك سوف يطويهم التاريخ كما طوى من قبلهم ممن لم يدركوا حقائق التاريخ والجغرافيا.

بالرغم من الحرب الإعلامية التي أشرنا إليها فقد نجحت الدبلوماسية السعودية بإيصال الصورة الحقيقية للتغيرات التي تحدث في المملكة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والتي دفعت الرئيس ترمب إلى وصفها بالثورة. المجموعة الدولية تدرك مدى أهمية ما يحدث في المملكة وتنظر بتقدير إلى خطط المملكة لإحداث التغيير المطلوب وخصوصا أن رؤية 2030 تأخذ طريقها إلى التنفيذ مما سوف ينقل المملكة إلى مستوى متقدم من الانتقال من الاقتصاد الريعي النفطي إلى اقتصاد واعد. إلا أن التقدير للمملكة لا يقف عند إنجازات الداخل بل يتجاوز ذلك إلى دور المملكة في الحرب ضد الإرهاب وهذا ما أشار إليه أكثر من زعيم. في هذه الحرب المملكة هي المنوط بها سحب البساط الأيديولوجي من تحت أقدام المنظمات الإرهابية بما تمثله من إسلام معتدل ووسطي، يقف بالضد من أيديولوجيا التطرف. لقاء الأمير محمد بن سلمان مع قادة مجموعة العشرين كان فرصة لنقل هواجس العالم العربي برمته ومواطن قلقه سواء من المنظمات الإرهابية أو من داعميها وللتأكيد مرة أخرى أن المملكة كما معظم الدول العربية ليست معنية بالدخول في مواجهة مع نظام الملالي ولكنها بالمقابل مستعدة للمضي قدما في الدفاع عن مصالحها وأمنها القومي.

قمة العشرين التي عقدت في أوساكا كما القمة السابقة في بوينس أيرس كما القمم التي استضافتها مكة المكرمة تشير إلى أن المملكة العربية السعودية بقيادتها الشابة تمثل رقما صعبا في المعادلة الإقليمية والدولية، وأن المملكة سائرة في نهضتها وبناء اقتصادها وبناء إنسانها ولا تعبأ بكل الأصوات النشاز التي تريد التشويش على مشروعها، والأيام لا تعد هؤلاء إلا بمزيد من الخذلان والفشل وتلقي مزيد من خيبات الأمل، لعل ذلك يعيدهم إلى رشدهم مرة أخرى.

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط

ramialkhalife@