في مقالة لصاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان -سفير المملكة العربية السعودية في واشنطن- عام 1991م يتحدث فيها عمّا واجهته المملكة العربية السعودية من خيانة وغدر بعض حكام المنطقة -آنذاك- ويكرر كلمته الشهيرة «والحقائق صعب تجاهلها» هذه المقالة تذكرتها وأنا أشاهد مظاهرات بعض طلاب جامعة الأردن المؤدلجين ضد «مؤتمر البحرين» وهم يرددون في سذاجة وحمق أن المملكة تبيع القدس، هذه العبارة المعلبة التي انتهت مدة صلاحيتها منذ زمن ومازالت! وكأن القدس من ممتلكات بلادي أو تحت تصرفها، أصوات ناعقة غبية مأجورة هدفها الأول شيطنة كيان عظيم هو السعودية العظمى.

سأسير على هدى السياسي المحنك الأمير بندر بن سلطان في الاهتداء بعبارته «والحقائق صعب تجاهلها» في مقالي هذا وأستعرض معكم ومضات تاريخية منذ أيام الانتداب البريطاني على فلسطين إلى أيامنا هذه، وسترون أنه لم يكن لبلادي العظيمة أي دور سياسي في الإشراف على القدس التي كانت بأيدي من يتظاهرون الآن! ومع ذلك تحملت السعودية مسؤوليتها كاملة في دفع مستحقاتها المالية وأكثر سواء للسلطة الفلسطينية أو الأونروا أو ممن يتباكى من الأعداد الكبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذين يقطنون عنده، وهذه حقيقة والحقائق صعب تجاهلها.

إلى عهد قريب مروراً بكل النكبات التي يصنعها الفلسطينيون أصحاب القضية وغيرهم تتحمل السعودية مسؤولية الحل، واستعرضوا التاريخ الحقيقي الموضوعي، وليس ما يريدون إيهامنا به، فالتاريخ مليء بالحقائق والحقائق صعب تجاهلها.

وذهب ضحية هذه الحقيقة الرئيس المصري الشجاع أنور السادات -يرحمه الله- عندما رأى الحل في وضع إسرائيل في مواجهة مع السلام مع علمه أن إسرائيل لا تريده! ومع ذلك ذهب لأبعد حدود المستحيل إلى الكنيست الإسرائيلي ورفع صوته بالسلام في مواجهة شجاعة وفي حرب سياسية حقيقية دفع حياته ثمناً لها، ماذا فعل أصحاب القضية وقتها؟! اتهموه بالخيانة؛ لأن هذا السلام سيضيع مصالحهم وليذهب الشعب الفلسطيني المجاهد في أرضه المباركة التي لم يخرج منها لشواطئ الريفيرا ولم يشترِ المنتجعات السياحية في سويسرا أو ضواحي باريس! بقي هذا الشعب الجبار العظيم في بلاده مدافعاً عن أسمى قضية، وهذه حقيقة والحقائق صعب تجاهلها.

عند ذلك بدأت السعودية العظمى في حماية هذا الشعب العظيم المغلوب على أمره، وأعلن الملك عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله عام 2002م «مبادرة السلام العربية» بين إسرائيل والفلسطينيين هدفها إنشاء دولة فلسطينية معترف بها على حدود 1967م وعودة اللاجئين والانسحاب من هضبة الجولان مقابل اعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، عندها قامت الدنيا ولم تقعد وأجهضت المبادرة ورفضت، لماذا رفضت؟ من كان وراء الرفض؟ ما مصلحته من رفضها وإبقاء الوضع على ما هو عليه؟ عند الإجابة ستكتشف حقائق مريعة والحقائق صعب تجاهلها.

في كل المراحل السابقة كان التطبيع مع إسرائيل يسير على قدم وساق مع جميع الدول العربية وحتى مع من تدعي أنها حامية حمى الإسلام «تركيا العلمانية» وترتفع الأصوات النشاز إذا بدأت دول الخليج في مساعدة الشعب الفلسطيني في محاولات إيجاد مخارج وحلول لهذه «القضية» بالتشاور مع إسرائيل عندها تقوم الدنيا ولا تقعد، لماذا؟ لماذا هذا الهجوم الشرس على «مؤتمر البحرين»، ولم نسمع أو نرى ربع أو أقل من هذه المظاهرات عند توقيع «معاهدة عربة» بين الأردنيين والإسرائيليين، لماذا؟ عند الإجابة ستعرف الحقيقة، وهذه حقيقة والحقائق صعب تجاهلها.

* كاتبة سعودية

monaalmaliki@