صدر كتاب جديد في المكتبة الإسلامية الأدبية بعنوان (من عبث الرواية..نظرات من واقع الرواية السعودية) لمؤلفه عبدالله بن صالح العجيري. والكتاب يتناول بالنقد بعض الروايات التي صدرت مؤخرا، وقدم لها الشيخ بندر بن عبدالله الشويقي الذي ضمن في مقدمته حديثا حول المرأة وهي المحور التي تدور معظم الروايات حولها، حيث قال الشويقي “ إن كان المقصود بذكورية المجتمع قِوامةُ الرجل، فذاك مما نفاخر به ولا نعتذر عنه. وإن كان المقصود تسلطه وظلمه للمرأة, فتلك ظاهرةٌ عالميةٌ, بل بشريةٌ أملتها طبيعة الجنسين. لكن لسنا أكبر الناس نصيباً منها”. ويشير الشويقي الى الخطورة في الروايات بأنها ذات تأثير أكيد وبين في الأجيال، حيث يقول مقدم الكتاب “ ويستحكم البلاء حين تمرُّ بذاك الشاب أو تلك الفتاة معاناةٌ عارضةٌ مع أهله وذويه، مما لا يكاد يسلم منه أحدٌ في ذلك السنِّ المبكِّرة، ثم يقرأ في تلك الأقاصيص اللعنات وهي تصبُّ على مجتمعه (الظالم, الجائر، المتخلِّف, المعقَّد, المريض, المتناقض ...إلخ) فيجد في تلك اللعنات سلواه، ويتلمس فيها ما يوافق هواه، فيتمادى معها دون إدراكٍ لمراميها، أو فهمٍ لمغازيها، حين تحثه (تحثها) على التمرُّد على القيم والفضائل، ورفض الخضوع للوصاية الأسرية، فتودي به تلك الوساوس إلى الهلكة والضياع، وتتحوَّلُ معاناته العارضة، إلى جنوحٍ نحو الرذائل والفواحش”.

الرواية فن رفيع
أما الأستاذ عبدالله العجيري فكتب في مقدمته “ الرواية ... فنُّ رفيعٌ من فنون الأدب الإنسانيِّ اللطيف المحبَّب للنفوس، وميدانٌ رحبٌ من ميادين الإبداع والبلاغة والبيان. يشحذ الكاتب فكره, ويكدُّ ذهنه, ويستدعي مخزونه, ويستنفر أدواته, ليصوِّر للناس عالماً يرسمه الخيال, وتحرِّك شخوصه الحروف والكلمات. وبقدر سموِّ عقل الكاتب, وطهارة حروفه, ونقاء كلماته, يكون جمال الرواية و رُقيُّها عند أصحاب الذوق الرفيع. حتى في مقام وصف لحظات الضعف البشري, واستسلام المرء لنزواته ورغباته, فإن اللفظة المهذَّبة, والتصوير البريء, والإشارة اللطيفة المحتشمة, تفي بالمقصود وأكثر. ما لم يكن القلم نفسه فاسداً يتلذَّذ برسم الفواحش، ويطرب لصور الفسوق”.

إشكالية تصوير الواقع
ويشير العجيري الى القضية التي لطالما وقف عندها دعاة الأدب المتحرر والمحافظ حيال تصوير الواقع, فيناقش هذه المسألة بقوله “ نعم .. للإنسان رغباتٌ آثمةٌ, و لحظاتُ ضعفٍ تغلبه فيها نفسه, ولولا ذاك لما كان إنساناً. لكن حين يعرضُ الروائيُّ لوصفِ تلك اللحظات, فليس بالضرورة أن تنزل ألفاظه, وتسفل عباراته، وتنحطَّ كلماته . فاللفظة النظيفة والكلمة العفيفة قادرةٌ على وصف مواقف السُّوء, دون مساسٍ بمقام الحياء والأدب.
ألمْ يصوِّر القرآن رغبات امرأة العزيز : (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه, وغلَّقت الأبواب وقالت هيتَ لك). ألم يصوِّر القرآن فُحش وشذوذ قوم لوطٍ : (أتأتون الذكران من العالمين). (وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات). (قالوا لقد علمتَ ما لنا في بناتك من حقٍّ, وإنك لتعلم ما نريد). ألسنا نقرأ في الوحي كيف يقضي المرء رغبته وشهوته : (نساؤكم حرثٌ لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم). ألم يعرض القرآن آداب وأحكام المعاشرة بأنظف العبارات وأرفع الإشارات : (أو لامستم النساء). (مالم تمسوهنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضةً).
كل هذا مذكورٌ في التنزيل الحكيم. ومثله وأضعافه في سنة سيد المرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ . فالشأن هنا ليس في الصورة نفسها، وإنما في نهج مَن يعبِّر عنها ويرسمها.
الصورة الواحدة يمكن أن تُرسم بكلامٍ لطيفٍ عابرٍ، على نسق هذا اللون الرفيع من البيان. ويمكن -أيضاً - أن تُرسم الصورة نفسها مفَصَّلةً ببذيء الألفاظ وساقط الأقوال, كما أدمنَ ذلك جملةٌ من كتبة الرواية اليوم” .