الأحداث التي تعيشها منطقتنا، والتوترات وأجواء الحرب وخلط الأوراق والتحركات المختلفة في كل من العراق واليمن وسوريا، تجعل المُشاهد في حيرة من أمره. كما يزيد المشهد غموضاً الموقف الأمريكي ذو الوتيرة العالية وردود الفعل المتروية أو كما يحلو للبعض القول بأنها ردود فعل أمريكية مترددة.

يجب أن نعترف بأن إيران لاعب استراتيجي محترف وليس هاوياً أو عديم الخبرة؛ فإيران تعرف كيف توظف الأحداث لصالحها، وكيف تقوم بترتيب أوراقها وفقاً للمستجدات بدون أن يؤثر ذلك على استراتيجياتها المرسومة بدقة، وبدون أن تُعيق أهدافها التي تسعى إلى الوصول إليها.

المبادرة بالهجوم التي تقوم بها إيران ليست عملاً انتحارياً كما يبدو للبعض، وكذلك سعيها لتوريط المنطقة، وكلها أعمال مدروسة تهدف إلى تحويل الضغط عليها لصالحها، وذلك بخلط الأوراق وجعل المنطقة على شفا الهاوية لتغيير بنود التفاوض والحصول على تنازلات لصالح أطماعها في المنطقة.

إيران تعمل على الاستفادة من الحصار الذي لا تستطيع فكه، ولكن تستطيع تشبيك خصومها معها في دوامة من الأزمات التي تهدد أمن وسلامة المنطقة، وجعل الثمن مرتفعا جداً. مما يجعل خصمها الأمريكي يُعيد النظر في شروطه الاثنى عشر لرفع الحصار عنها، ويقبل بحل تخرج إيران الملالي معه منتصرة.

إن الموقف الأمريكي الذي يبدو من أول لحظة متردداً وغير واضح يُربك إيران ويُفشل سياسة التوريط الإيرانية ومحاولة سحب الخصم ودفعه للهجوم لكي تكون لديها المبررات لإشعال المنطقة وفرض حالة تسمح لإيران بخلط الأوراق لصالحها.

الحرب تصب في مصلحة إيران، فالخسائر سوف تكون فادحة على كل الأصعدة. وإيران منذ أربعين عاماً تعاني؛ فقد دخلت في حروب في الداخل، وحروب خارجية مباشرة مثل الحرب الإيرانية العراقية، وحروب غير مباشرة في العراق وسوريا واليمن. ومهما كان ثمن هذه الحرب الجديدة التي ترغب إيران في جذب أمريكا والمنطقة إليها، فلن يكون الثمن الذي ستدفعه إيران بأكبر مما ستدفعه المنطقة وأمريكا. أي أن إيران ترى أن خسائرها سوف تكون أقل من غيرها، وخاصة أن الحرب على ما يبدو لن تُشعل الجبهة الداخلية في إيران.

لهذا نجد أنه من السهل التصعيد الكلامي، لكن حساب الأرباح والخسائر للحرب الحقيقية سوف يكون كبيرا جداً، وخاصة بدون تأييد دولي شبه كامل على الأقل للتصدي لإيران.

من المهم اقتناع دول العالم بوجوب الوقوف ضد إيران، وبدون هذه القناعة والمواقف الحازمة، لن تُعيد إيران مراجعة حساباتها طالما المواقف الدولية مائعة وغير واضحة. وإيران تعرف كيف تستفيد من مواقف الدول العظمى وسياساتها في المنطقة؛ فقد استفادت من خطة الشرق الأوسط الكبير أو ما يُطلقون عليه الربيع العربي، لبسط نفوذها في العراق ولبنان وسوريا واليمن.

إذن ليس من مصلحة إيران أن تكون محاصرة أو أن يُضيق على مصالحها وعلى أذرعها في المنطقة. وكذلك ليس من مصلحتها أن تدوم هذه الحالة لأن المواطن الإيراني لن يقبل بهذا الوضع الاقتصادي المتردي لفترة طويلة. وإيران لا تستطيع أن تستمر حالة اللا حرب واللا سلم؛ ولهذا فإن التردد الإمريكي هو في حقيقته أنجع وأقوى من ضربة عسكرية محدودة.

الحصار الاقتصادي لإيران وتقليم أظافرها، وأظافر مليشياتها وتقليص نفوذها في المنطقة، أشد وطأة من الاشتباك معها في حرب سوف يخسر الجميع فيها.

إن سياسة الابتعاد عن الحرب وعدم التورط فيها وكشف المخاطر التي تترتب على السياسات الإيرانية من تعريض الأمن والسلم والاقتصاد الدولي للخطر، يُساهم ويساعد في درء والحد من المخاطر الإيرانية.

وكذلك تبني سياسات تعمل على إشعار إيران بالكلفة الغالية والثمن الكبير الذي ستدفعه نتيجة أطماعها الإقليمية والدولية.

يجب العمل على تطويق إيران بكل الطرق وإشغالها في الداخل، والبحث عن الوسائل والخيارات التي تؤدي لهذا الغرض.

إن حالة عدم الاشتباك المباشر بين إيران وأمريكا سوف تكشف الوجه القبيح لإيران الملالي، وسوف تساعد على تقليص نفوذهم في المنطقة. إن استمرار الوضع الحالي سيفاقم الخسائر الإيرانية وسيكون عاملاً على إنهاء نفوذ إيران في اليمن وسوريا والعراق.

إن أقل ثمن ستدفعه إيران لما قامت به من تصرفات من إسقاط لطائرة الدرون الأمريكية، وتفجير الناقلات، لن يكون إلا بإشراك العالم وإطلاعه على تصرفات إيران العدائية، والبناء على ما صدر من قرارات وبيانات ختامية للمؤتمرات الثلاثة في مكة.

يجب توظيف الوضع الحالي والمخاطر التي تتعرض لها المنطقة بكل الوسائل لاتخاذ موقف موحد يعمل على إنهاء التمدد الإيراني وأن تكون دول المنطقة المتضررة من هذا الفلتان الإيراني جزءا في أي حراك ومفاوضات.

* كاتب ومستشار قانوني

@osamayamani

yamani.osama@gmail.com