اليوم أتذكر الفنان الكبير فوزي محسون (رحمه الله) باستغراب كبير، هذا الاستغراب يمكنني من استرجاع كثير من التفاصيل التي كنت عليها في سنوات ماضية، عندما كنت أقتني أو أسمع غناء فوزي محسون أو الكتابات التي كتبتها عنه كمدرسة غنائية متفردة.. أو جلسات الأصدقاء التي تطوف بسير الفنانين كحديث وذكريات عما غنّوه أو عاشوه.. حكايات تبدو للمستمع من شجون الكلام... كان شيئاً ما يجذبني للحديث عن سيرة فوزي محسون وكيفية اجتماع الثلاثي (فوزي محسون وصالح جلال وثريا قابل) لصياغة أغانٍ عبرت الزمن وظلت باقية متفردة بذاتها..

فهل تركيز الإنسان على ما مضى من ذكرياته يُمكن له الوقوف على ما يحدث له الآن؟

هو سؤال ليس عبثياً مطلقاً، فأنا أؤمن أننا نصوغ مستقبلنا من حيث لا نعلم.. وأنا أحاول اصطياد ما أعيشه الآن من خلال الذكريات التي مرت بي فيما مضى..

جاءت مرحلة من مراحل حياتنا المعاشة، وأصبح كل شيء حراماً بما في ذلك الغناء، واختفت أستوديوهات بيع الأشرطة (وكادت تكون محصورة في أماكن بعينها)، في تلك الفترة غابت أغاني فوزي محسون تماماً، ولم يكن بالإمكان الحصول عليها إلا من خلال توصيات ووساطة من قبل (دهاقنة) متابعي الغناء (السميعة) والمتابعين للفن الغنائي، ولم يكن أمامي إلا الأخ الصديق علي فقندش الذي أوصاني بالاتجاه إلى استوديو سناء بشارع خالد بن الوليد، استديو صغير مخبأ يكاد ألاّ يرى، فوصلت إلى هناك وشفاعتي توصية علي فقندش، رحب العامل آنذاك بالتوصية، فأخبرته أني أريد جميع أغاني فوزي محسون، فطلب مني مهلة لتسجيل ما لديه من تلك الأغاني... وبعد أسبوع كانت في حوزتي معظم أعمال الفنان فوزي محسون، تلك الأشرطة كنت أفاخر بها زملائي أن لدي سجلاً غنائياً شاملاً لذلك الفنان المتفرد، ولم أرضَ (كالعادة) إعارة أحدٍ شريطاً من أشرطتي التي بحوزتي.. كنت أستمع للأغنيات بشيء من اللهفة، وكل أغنية أجدها تعزف بداخلي وكأنها تشير لشيء ما، الليلة سأوثق علاقتي الوطيدة مع فوزي محسون..

ومَنْ لَمْ يفهم مغزى هذه المقالة يكفي القول إنني كنت قارئاً لمستقبلي منذ أن كنت طفلاً يمخر الخبوت بين الشوك وأشجار الأراك الخضراء.. أعبر الخبوت خلف حياة بعيدة.