الحالة التي ظهرت عليها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أول من أمس خلال استقبال الرئيس الأوكراني الجديد، حالة مفاجئة وصادمة، لكنها باختصار شديد إشارة لما يحصل مع ألمانيا المرتعشة والمتراجعة، والرد الذي قابلت فيه ميركل الصحفيين، هو أيضا دليل آخر على أن ألمانيا لا تريد الاعتراف بأنها دولة مريضة وهي في طور المكابرة أكثر منها محاولة العلاج.

أليست هي ألمانيا القديمة، هذا ليس جديدا، فأوروبا تعاني منذ أكثر من عشرين عاما تراجعا في دورها الاقتصادي ومشكلات اجتماعية جمة، وانهيارا في اقتصادات اليونان وإسبانيا والبرتغال، ولعل وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد - خلال إدارة جورج بوش الابن - كان دقيقا وصادقا عندما وصف أوروبا بالقارة العجوز.

ميركل «العجوز» تحاول استعادة دور ألمانيا سيدة لأوروبا كما تتخيلها أو كما تخيلها هتلر من قبل، ولكن من خلال ذراع أخرى هي الغاز القادم من إيران، وهذا الاندفاع الكبير نحو إيران ومعاداة خصومها، هو إستراتيجية ألمانية بامتياز للأسباب التالية:

بداية.. يعاني أكبر اقتصاد في أوروبا من تباطؤ متراكم ومستمر، إضافة للخلافات التجارية التي أثارتها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تحت شعار «أمريكا أولا»، تداعيات انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق.

نشرت صحيفة الشرق الأوسط تقريرا عن الاقتصاد الألماني بتاريخ 19 يناير 2019 أكدت فيه تباطؤ الاقتصاد الألماني نقلا عن مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني بأن التباطؤ يتسلل إلى الاقتصاد الألماني والموازنة تفلت من انكماش فني.

كل هذا يعزز الطموحات الألمانية والرغبة الجموحة التي تفقد المنطق أحيانا بإيجاد فضاء اقتصادي آخر غير «الغاز الروسي» الذي جعل من ألمانيا «ذئب جريح» يئن من تسلطه ووطأة الخوف من امتناعه عن تزويدها بالغاز في أي وقت.

لقد أضحت ألمانيا تحت وصاية السياسات الروسية وإن بشكل مستتر فقد قيدت الشراكة الاقتصادية بين ألمانيا وروسيا السياسة الألمانية في شرق أوروبا تماما وهي المنطقة المتنازع عليها ضمن «الجيوسياسي» بين العملاقين الروس والألمان، وهو ما تحاول برلين الفكاك منه في سبيل السيطرة والهيمنة على أوروبا بالكامل اقتصاديا أولا وسياسيا ثانيا.

كان البديل المتاح والذي أسال لعاب الألمان هو الغاز «القطري الإيراني» ومن هنا تأتي كل سياسات الدلال التي تقدمها ألمانيا للقطريين والإيرانيين بل والدعم لكل أعمالهم الإرهابية والتغاضي عنها.

في الأسبوعين الماضيين استمرت ألمانيا تناور وتحاول الهروب من استحقاقات العمليات الإرهابية التي قامت بها طهران لإغراق السفن المحملة بالغاز والبترول في خليج عمان، ألمانيا قالت إن الرواية الأمريكية غير مؤكدة، هذا هو الدور الألماني الذي تلعبه ميركل وتحاول الدفاع عنه.

وكأن ألمانيا تقول من تحت الطاولة: مرروا لنا خط الغاز القادم من حقل الغاز الإيراني القطري عبر السعودية وسوريا ومن ثم إلى أوروبا ونحرر لكم إمدادات الطاقة، وتقول أيضا «النووي مقابل الغاز»، فهي تدافع عن برنامج إيران النووي ليس حبا في طهران، بل حبا وهياما في الغاز الإيراني.

هذا فضلا عن أن ألمانيا التي تحس بمرارة الهزيمة من الروس والأمريكان في الحرب العالمية الثانية تطمح أن تكون قوة عظمى في المئة سنة القادمة، وهي بغير إمدادات طاقة مستقلة وآمنة ومستمرة ورخيصة لن تستطيع الخروج من عباءة واشنطن وموسكو، إنها ألمانيا النازية ولكن بثوب آخر تخلت فيه عن الصليب المعقوف بالغاز المعقوف.

* كاتب سعودي

massaaed@

m.assaaed@gmail.com