كان عبدالله بن مطيع زعيم الثوار يوم الحرة جالساً بين أصحابه وهم في حالة من النشوة الخادعة، وبينما هم كذلك إذ طرق عليهم الباب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمام الدنيا في زمانه: عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، فلما رآه ابن مطيع ظن أنه ما جاء إليه إلا لتزجية الوقت والقرب منه، فقال لأصحابه: ضعوا لأبي عبدالرحمن وسادة، لكن ابن عمر رضي الله عنهما لم يدعه يمضي في هذا الظن إلا وعاجله بقوله: إني لم آتِ لأجلس عندك، إنما جئت لأخبرك كلمتين سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزع يداً من طاعة لم تكن له حجة يوم القيامة، ومن مات مفارقاً للجماعة فإنه يموت موت الجاهلية» ثم خرج رضي الله عنه. هكذا تكون النصيحة الصادقة، في غاية الوضوح والصراحة؛ لأن الموقف لا يحتمل المزيد من المجاملة والمداراة، لكن ابن مطيع بكل أسف لم يأخذ بهذه النصيحة وكانت النتيجة تدمير مجتمع كامل بسفك دماء أهله وسحق مقدراتهم؛ إذ قدم جيش الشام بقيادة مسلم بن عقبة - وبعض السلف يسميه مسرف أو مجرم لما أفسد وخرب بالمدينة -، فأبيحت المدينة ثلاثة أيام للسلب والنهب والإفساد. وقتل عشرة آلاف من عامة الناس، وقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلاً، وقتل كذلك - كما يقول الإمام مالك - سبعمائة رجل من حملة القرآن! وبقيت المدينة بعد هذه المصيبة العامة زمناً طويلاً لا ترى في طرقاتها إلا الجثث المتناثرة التي باتت طعاماً للسباع، أما أحياؤها فكانت أشبه بالأحياء التاريخية الخربة، حتى يظن الظان أنه لم يسكنها بشر يوماً من الدهر!

لم يدر بخلد ابن مطيع وأصحابه أن النتيجة ستكون كذلك، ولكأني بمن حوله وهم يسمعون نصيحة هذا الصحابي الجليل ينظر بعضهم إلى بعض ويصفونها بأنها وصفة الخنوع للاستبداد، والرضا بالظلم والتنازل عن الكرامة، ونحو ذلك من أوهام «الثورجية» وأحلامهم لكن الموقعين عن الله من العلماء الراسخين كابن عمر رضي الله عنهما أدركوا ذلك، فلم تكن لتخدعهم تلك الشعارات ولا تغريهم تلك الأوهام، وكيف يمكن لابن عمر رضي الله عنهما أن يفعل ذلك وهو يسمع المعصوم يتلو عليهم أحاديث النهي عن مفارقة الجماعة من مثل: «من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية» ومن مثل: «من فارق الجماعة، واستذل الإمارة، لقي الله عز وجل ولا حجة له عنده»، ومن مثل: «إنه سيكون بعدي هنات وهنات، فمن رأيتموه فارق الجماعة، أو يريد يفرق أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كائناً من كان فاقتلوه، فإن يد الله على الجماعة، فإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض».

ونتيجة لهذا الفقه والرشد لدى ابن عمر رضي الله عنهما كان رضي الله عنه أحد القلائل الذين نجوا يوم الحرة، إذ روى البخاري عنه أنه جمع أهل بيته وتشهد ثم قال: أما بعد فإنا بايعنا هذا الرجل -يعني يزيد بن معاوية- على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر إلا أن يكون الإشراك بالله، أن يبايع رجل رجلاً على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يزيد ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه». ونلاحظ هنا أن ابن عمر رضي الله عنهما جعل هذه القضية مفاصلة بينه وبين أهل بيته، إذ قال: «فيكون الفيصل بيني وبينه»؛ لأنه يدرك رضي الله عنه أن هذه الخطيئة مشؤومة لدرجة لا يمكن أن يتصورها من تلبس بها، وشاهد ذلك ما نراه اليوم من انخداع بعض الشباب بهذه الشعارات والأوهام، ومع الأيام لم تزل بهم هذه الخطيئة حتى فارقوا جماعة المسلمين وارتموا في حضن عدوهم، وخلعوا بيعة رجل انعقدت له البيعة واجتمعت عليه الكلمة، وحمى الله به بيضة المسلمين وستر به عوراتهم، وهو ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين حفظه الله.

إن ذلك يحتم علينا مربين وطلاب علم وأساتذة أن نقوم بدورنا وذلك ببناء المفاهيم الصحيحة لدى أبناء هذا الجيل، وتعليمهم فقه الاستقرار ومفهوم الدولة ومسؤولية البيعة واستحقاقاتها الشرعية، وخطورة مفارقة الجماعة، وأن من فارقها قد ارتكب أمراً قد يحول بينه وبين رضا ربه ودخول جنته يوم يلقاه، فلا يجوز مفارقة هذه الجماعة مهما وقع على المرء من ظلم أو خطأ. والنصوص عامرة بهذه المعاني العظيمة، أما فقه السلف ونصوصهم في هذا فهو باب واسع، وكلماتهم في هذا عظيمة المعنى والمبنى، ولكن أختار منه كلمة عظيمة لابن مسعود رضي الله عنه وهو يوصي أصحابه، ويقول: عليكم بالسمع والطاعة فإنها حبل الله الذي أمر به. ثم قبض يده وقال: إن الذي تكرهون في الجماعة خير من الذين تحبون في الفرقة.

إن انفراط عقد هذه الجماعة عبر تسلل أفرادها إلى عدوها هو جناية عظمية على المؤمنين وهتك لحرمات المجتمع المسلم، ومهما كانت الشعارات المرفوعة فإنها تظل فاسدة من أصلها، لأنها قامت على أصل فاسد وهو مفارقة الجماعة، ونقض البيعة، والبيعة ليست قميصاً يلبس وينزع بحسب رغبات الإنسان ومزاجه، بل هي عقد شرعي لازم بين الحاكم والمحكوم، ولو سلمنا جدلاً بأن الحاكم أخل بالعقد عبر الاستئثار بالمال وعدم وجود العدالة كما يرددها المفارقون للجماعة، فلا يعني هذا نكث البيعة وإخلاف العهد، وذلك بنص كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم لما قال لأصحابه ذات مرة: «إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها»،- يعني الاستئثار بحظوظ الدنيا من المال والجاه والمنصب- قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم». وهذا النص محكم غير قابل للتأويل، ويقطع على هؤلاء الأهوائيين أهدافهم عبر تشريع رغباتهم ونزعاتهم. وقد وراه البخاري ومسلم بأصح الأسانيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والله المسؤول أن يتولى أمرنا ويصلح شأننا ويجمع كلمتنا.