كنت من المحظوظين ليلة أمس الأول بحضور ليلة موسيقية استثنائية في الرياض من تنظيم الأحبة المبدعين في وزارة الثقافة حضر فيها الفن الأوبرالي الإيطالي بكامل جماله وعراقته على مسرح مركز الملك فهد الثقافي.

قبلها بساعات وأنا في الطريق من جدة إلى رياضنا الحبيبة كان سقف توقعاتي منخفضاً فيما يخص عدد الحضور، إذ توقعت أن هذا النوع من الفن يصعب أن يحظى بجماهيرية شعبية كبيرة في مجتمعنا المحلي، وانطبع في ذهني حينها أن الجمهور لن يتعدى مجموعة صغيرة من الأجانب المقيمين في المملكة وعددا محدودا جدا من السعوديين الذين يعشقون الفن الأوبرالي ويتم تصنيفهم عادة ضمن فئة النخبة المثقفة، لكن ما إن اقتربت السيارة التي تقلني من مكان إقامة الحفل حتى تبددت توقعاتي بمشهد مدهش حقاً، فقد غصت الطرق المؤدية إليه بزحام السيارات على امتداد يصل إلى نحو كيلومترين، واختنقت الأرصفة بالمشاة من الشبان والشابات الذين أوقفوا سياراتهم بعيدا وقرروا قطع المسافة إلى المركز سيراً على الأقدام يملؤهم الحماس لحضور هذه الليلة الأوبرالية الفارهة.

في مسرح مركز الملك فهد الثقافي، أبحر الجمهور الكبير المتعطش للفن الراقي في رحلة أوبرالية باذخة الجمال لأوركستر «لا سكالا» العريقة بقيادة المايسترو المبدع بيترو ميانيتي، الذي قدّم ثماني مقطوعاتٍ موسيقية كلاسيكية من روائع الأوبرا الإيطالية لأشهر المؤلفين مثل: «جواكينو روسيني، جوسيبي فيردي وبييترو ماسكاني»، وكان من أبرزها مقطوعة «حلاق إشبيلية» العالمية الشهيرة التي كتبها روسيني قبل نحو قرنين من الزمن وتحديدا عام 1816م، وهي أوبرا هزلية تدور أحداثها حول قصة حب بين الشاب الكونت ألمافيفا والشابة روزينا اللذين يرغبان في الزواج، إلا أن بارتولو الوصي على روزينا الطامع بأموالها يعيق ذلك رغبة منه في الاقتران بها، وهنا يظهر الحلاق فيقارو، وهو رجل سليط اللسان يتمكن من إفشال مخطط بورتولو. وينتهي العمل نهاية سعيدة بانتصار الحب وزواج الحبيبين.

تفاعل الجمهور السعودي مع المقطوعات الموسيقية كان مذهلا بحق، إذ تواصل التصفيق الاحتفائي بالفرقة الموسيقية عقب كل مقطوعة لوقت طويل لم يخطر ببال العازفين أن يحدث في هذا المكان من العالم الذي يُصوّر في الميديا الغربية منذ عقود على أنه صحراء جافة منغلقة على نفسها وبعيدة كل البعد عن التواصل والتفاعل مع الفنون العالمية.

لكن أجمل ما حدث بالنسبة لي شخصيا في هذه الليلة باذخة الجمال هو ظهور الصوت الأوبرالي السعودي بشكل مدهش ممثلا في ‏الفنانة الأوبرالية الشابة سوسن البهيتي التي أدت السلام الملكي السعودي بطريقة أوبرالية رائعة في افتتاح الحفل، لتؤكد على أن بلادنا كانت وما زالت وستظل غنية بالمواهب الفنية المتميزة التي تستحق الدعم والاحتفاء بها وتقديمها للعالم.

ختاما لا يسعني هنا إلا أن أشكر وزارة الثقافة وعلى رأسها سمو أمير الثقافة بدر بن عبدالله الفرحان آل سعود على هذه الجهود التي تخدم الصورة الحضارية والثقافية للمملكة وتقدمها بالشكل الذي نستحقه نحن السعوديين.

* كاتب سعودي

Hani_DH@

gm@mem-sa.com