ساعدت وساهمت نشأة علم الكلام عند المسلمين الأوائل وإقبالهم على الفلسفة في تطوير المجتمع والثقافة في الأمة الإسلامية قبل أن تختطفهما الأصولية التراثية. ولهذا نجد صفحات مضيئة في تاريخنا العربي والإسلامي يرجع الفضل فيها إلى هذا النهج الفكري والعقلاني.

إن ما تقوم به الفلسفة وعلم الكلام من دراسة للقيم العليا وتحليلهما لمشكلات الفكر الإنساني وإرساء قواعد الحرية الفكرية التي تنطلق من الحوار والجدل بهدف الوصول لفهم ومعرفة للذات البشرية، يُظهر أهمية الحوار والجدل الذي يساهم في صنع حراك مجتمعي متنور.

بالرغم من أن مدلول كلمة الجدل عند البعض ذو مفهوم ومعنى سلبي، فقد عرَّف معجم المعاني الجدل بأنه «نقاش، محاجة جدل عقيم».

وفي رأيي فإن الجدل ذو مفهوم ومعنى إيجابي فمصدره اللغوي يدل على التضافر والقوة؛ مثل جدل الحبل أي ضفر الحبل ليصبح أكثر شدة وصلباً. ونجد في اللغة جدل الولد بمعنى قوي وصلب عظمه.

الجدل أمر مندوب وواجب في قيمنا الدينية، قال تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). وقوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).

والحوار أيضاً يُطلق على الجدل، وقد جاء في المحكم: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).

إن الحوار الذي ينطلق من طرح الفكرة وعرض الأدلة العقلية والمنطقية هو منهج اعتمده القرآن، قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).

إن ترك هذا المنهج الفكري وتعطيل علم الفلسفة وعلم الكلام وعدم تدريسهما في مناهج التعليم وفي الجامعات كان بسبب الأصولية التراثية التي تحارب العقل وتضطهد المفكرين، والتي لم ينجُ منها الدكتور طه حسين يرحمه الله وغيره طوال تاريخنا الطويل.

هذه الحرب الضروس ضد الفلسفة ومنع الجدل وتحريمه وزندقة القائلين به أدت إلى خمول هذه الأمة وارتكانها إلى القول والرواية والمذهبية الأصولية، مما أدى إلى الاختلاف والفرقة والقطيعة بين أبناء الوطن الواحد.

عندما تضيق أنفسنا من الجدل والحوار فإننا نفقد الوسيلة الناجعة والناجحة في تصحيح الأخطاء وإزالة اللبس، وهذا يحرمنا من التنوع الذي يثري الموضوع والحياة. والله الهادي إلى سواء الطريق.

* كاتب سعودي ومستشار قانوني

@osamayamani

yamani.osama@gmail.com