كان الجو خانقاً، الفقر والبطالة والفساد تفشت في أنحاء البلاد، وبلغ السيل الزبى، زحف الشعب، بكل طوائفه، لأول مرة، في تاريخه، نحو هدف واحد، نحو مخبئه الذي يدير منه أعماله الإجرامية، هتفوا سويّاً، ولأول مرة: اخرج أيها الخائن أخرج، تُحاكم أو تُقتل، فأطل حسن، بعمامته متوجساً، فرأى عشرات الآلاف من الشباب والأطفال وكبار السن، يهتفون بصوت واحد: اخرج.. اخرج.

شعر الخائن بالخطر، أدرك أنه لا مجال للهروب، تلفت يمنة ويسرة، ظنّ أنها النهاية، همّ بالخروج لكن حرّاسه أشاروا عليه أن يخرجوا لهم ويبدأوا بإطلاق النار عليهم، لكن الخبيث، قال إنه يستطيع إقناعهم وتهدئتهم، وأنه فعل ذلك مئات المرات، فخرج يرفع عباءته، ويعدّل من عمامته، وشرع بصوته الجهوري في خطبة صماء، لكنهم لم يمهلوه هذه المرة، انقضوا عليه وعلى حرسه، وجروه إلى قفص الاتهام.

قرروا محاكمته، ليس على الجرائم والاغتيالات التي ارتكبها بحق الكثيرين، ولا على المجازر التي ارتكبها بحق الأشقاء والجيران، ولا حتى على جرائمه بحق الإنسانية جمعاء، بل على جريمة واحدة كبرى هي خيانة الوطن.

تجمع الشعب، لأول مرة، من كافة المذاهب والطوائف، وصعدوا منصة المحكمة ووقف المتهم «حسن زميرة»، وحده، مرتبكاً مرتعباً ذليلاً، ونودي صوت الشعب لقراءة لائحة الاتهام، فاعتدل، وقال: «إننا نحاكم المتهم الماثل أمامنا اليوم، على جريمة خيانة الوطن، حيث أثبتت جميع الأدلة أن المتهم قد باع الوطن لدولة غريبة هجينة، وقبض الثمن، وسمح لهؤلاء الأغراب بانتهاك حرمة الوطن وترابه».

أضاف صوت الشعب: «إن المتهم لم يكتفِ ببيع الوطن فقط، بل استخدم وسائل احتيالية كثيرة لتحقيق غاياته، ومنها التضليل باسم طائفة دينية لتفتيت اللحمة الوطنية، وتقسيم الناس إلى عصابات ومافيات، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، فأحضر جنود وحرس الغرباء الثوري وجعل منهم نواة لميليشيات إرهابية تنفذ مخططات غاشمة بحق الشعب، مدعياً أنه فعل ذلك لتحرير فلسطين المحتلة بينما النتائج تقول إن تلك الميليشيات المسلحة كانت سيفاً مسلطاً على الوطن نفسه، تعيث فيه الخراب، وتحتله باسم المقاومة، وعلى أرض الواقع لم تحرر شبراً واحداً».

ضجّت القاعة بالصراخ على المجرم، قال بعضها إن المتهم تسبب في جرائم حرب مع أشقائهم في الدولة المجاورة، حيث أرسل زبانيته، وحسب ما جاءه من أوامر من الغرباء، لمحاصرة الجيران وقتلهم جهاراً نهاراً، وقالت أصوات أخرى إن المجرم، الذي يُخفي تحت عباءته السوداء وعمامته الملطخة بالدماء، شيطاناً متآمراً متخصصاً في الخطف والاغتيال، وتكفير الناس، وتأجيج الصراعات الطائفية الدموية، تتفنن زمرته بالتلويح بالسكاكين وإراقة الدماء.

طلب صوت الشعب الهدوء؛ لاستكمال لائحة الاتهام، وقال: «إننا اليوم نحاكم هذا المجرم؛ لأنه ثبت، وحسب التقارير الموثقة الدولية، أنه يتاجر بالمخدرات والأسلحة، وأنه يستخدم المال لتخويف المواطنين والسيطرة على مفاصل الدولة، وفرض أجندته ورجاله بقوة السلاح الذي رفض تسليمه، وقد تسبب المتهم بكثير من الكوارث وقطع العلاقات مع دول صديقة وشقيقة، لطالما كانت تقف في صف الوطن وإلى جانبه عبر التاريخ».

واصل صوت الشعب: «المتهم، المجرم، حسن زميرة، الذي التصق به هذا الوصف بسبب صوته النشاز، تمكن من خلال بيع ذمته وولائه للغرباء، من تحويل الوطن، المعروف منذ عقود، بواحة الجمال والثقافة والفن والحضارة إلى وطن للإرهاب، وجعل مؤسسات العالم ودوله تضع على جبين الوطن هذا الوسم العار الذي لا يُمحى إلا بمحاكمة المتهم وأعوانه وزمرته الخبيثة، والمطالبة بإعدامه أو برحيله إلى حيث ينتمي».

وقف الأدباء والإعلاميون والفنانون صفاً واحداً، قالوا: «كانوا يعرفون الوطن بأسماء أدبائه، يميزونه بصوت فيروز الشجي، يُعمّرونه بسواعد المجد، أما اليوم، فيعرفونه باسم هذا الخائن».

قال الشعب بصوتٍ واحدٍ، ولأول مرة: لبيك يا وطن.

* روائية وباحثة سياسية

Noura_almoteari@yahoo.com