هناك من فسر انتصار الحلفاء في الحرب الكونية الثانية على أنه: انتصارٌ لقيمِ الديمقراطية الليبرالية على قيم الديكتاتورية والاستبداد. وكان يؤمّلُ أن يقودَ هذا النصرُ المؤزرُ لقيم الليبرالية، بانحيازها لحقوق الإنسان وحرياته، أن يسود السلام العالم، لينجح نظام الأمم المتحدة الجديد، في ما فشل فيه نظام عصبة الأمم السابق.. والأنظمة الدولية السابقة.

نظام الأمم المتحدة، وإن أكد على مبدأ سيادة الدول، إلا أنه أرسى قيمَ الليبرالية التي تُعْلِي من شأن حقوق الإنسان وحرياته. لقد ألزم نظام الأمم المتحدة أعضاءه اتباع قوانين دولية تحكم سلوكها الخارجي بما يؤكد التزامها بحب السلام، الذي قد يتجاوز في أحيان كثيرة التزام النظام الدولي نفسه، احترام سيادة أعضائه. سيادة الدول لم تَعُد مطلقة، لا في ما يخص فرض نظامها الخاص على شعبها وإقليمها فحسب بل حتى في توكيد شرعيتها الدولية، كعضو (حصري) للنظام الدولي.

استقرار النظام الدولي، لا يُعزى لكفاءة وفاعلية نظام الأمم المتحدة، مقارنة بنظام عصبة الأمم، في ما يخص حقيقة أنه لم تنشب لحد الآن حربٌ كونيةٌ ثالثة... دعك من الزعم أن استقرار نظام الأمم المتحدة يَرْجَعُ لحرصِ أعضائِهِ على التمسكِ بقيمِهِ الليبرالية.. والالتزام بقواعد التعامل الدولي المرعية. إذا ما استبعدنا متغير توازن القوى غير التقليدي، في ما يخص عدم نشوب حرب كونية ثالثة، نجح نظام الأمم المتحدة في إحداث نقلة تنموية كبرى على مستوى مجتمعات الكرة الأرضية، ولو بصورة نسبية.. وكذا في إحداث نقلة نوعية متحضرة في تسهيل تواصل الشعوب بعضها ببعض.. وتحفيز التكامل بين الدول.. بل وحتى في إحداث قفزة نوعية متقدمة في "التكنولوجيا" قادت إلى تحسين نوعية معيشة البشر.. وزيادة ثروة المجتمعات البشرية، بما لم يُحقق في تاريخ البشرية.

إلا أنه من الصعب القول إن الدول تتصرف، على مستوى حركة سياستها الخارجية.. وكذا على مستوى سياستها الداخلية، طبقاً لقيم النظام الدولي الليبرالية.. أو أنها تجتهد في جعل ذلك الأمر من ضمن أولوياتها، رغم صلة ذلك مباشرة بشرعيتها. وإن كان من الصعب إغفال إنجازات نظام الأمم المتحدة، في ما يخص الانحياز لحقوق الإنسان وحرياته، مقارنةً بنظامِ عصبة الأمم. يكفي هنا الإشارة، إلى أن نظام الأمم المتحدة فرض مبدأ تصفية الاستعمار، في مقابل إقرار عصبة الأمم لنظام الانتداب، الذي شرعن واقع الاستعمار، بل حتى أنه فرض الاستعمار على شعوب، لم تكن مستعمرة من قبل.

إلا أنه كقاعدة عامة، لا يمكن القول إن نظام الأمم المتحدة نجح في فرض التزام أعضائه بنظام قيمه (الليبرالية).. أو أن الدول تتصرف في ما يخص سياستها الداخلية والخارجية، خارج اعتبارات السيادة القومية، التي تحددها مصلحتها الوطنية، أو لنقل تحديداً مصلحة أنظمتها الحاكمة، سواءً كانت ليبرالية أم شمولية. مؤشر سلوك الدولة، سواء في سياستها الداخلية أو الخارجية، ليس هو التزامها بقيم النظام الدولي ولا حتى بقيم نظامها الداخلي الليبرالية إن وجدت... بل ما تمليه عليها مصالحها، وبالتحديد: مصالح نخبها الحاكمة.

نظام الأمم المتحدة، على سبيل المثل: وضع مسؤولية الحفاظ على سلام العالم وأمنه.. وكذا مراعاة حقوق الإنسان وحرياته على عاتق مجلس الأمن. إلا أنه تاريخياً، نجد أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن يتحكم في سلوكها التصويتي في المجلس لا اعتبارات سلام العالم.. ولا اعتبارات حقوق الإنسان وحرياته. مما صعّب هذا الأمر: أن نظام الأمم المتحدة في بداياته كان منقسماً أيديولوجياً بين معسكرين، ولم يكن مهيمَناً عليه من قبل دولة عظمى بعينها، بأيديولوجية واحدة. زاد الأمر تعقيداً، بروز الصين كقوة اقتصادية عملاقة، أخذت منذ بداية الألفية الثالثة، تنافس على مكانة الهيمنة الكونية.. وتتطلع لخدمة مصالِحَناً لها خارج نطاق مجالها الحيوي في الهند الصينية، لتشمل العالم بأسره.

الأسبوع الماضي فشل مجلس الأمن في التوصل إلى قرار بشأن ما يحدث في السودان، لأن الصين، التي لديها مسألة حقوق إنسان خاصة بها، رأت أن ما يحدث في السودان هو شأن داخلي، ليس من اختصاص مجلس الأمن! موقف تشاركها فيه روسيا، التي بدورها تعاني من مسألة حقوق إنسان نفسها، حيث دعت أطراف الصراع في السودان إلى مواصلة الحوار لإيجاد تسوية بينها. الدول الأخرى، الولايات المتحدة وبريطانيا، وإلى حدٍ ما فرنسا، مدفوعةً بضغوطٍ داخليةٍ.. وليس بنية مخلصة الانتصار للديمقراطية وحقوق الإنسان، كان حتماً عليها الإشارة لأعمال العنف، التي تُمارس ضد المعارضة السلمية.. وتنأى بنفسها عن مواصلة العسكر حكم السودان.

باختصار: لا يمكن للصين أن تسمح بتسيُّدِ قيم الليبرالية للنظام الدولي، وهي نفسها تعاني من مسألة حقوق إنسان، ولا تخفي عداءها للخيار الديمقراطي. كما أن دول الغرب الليبرالية، ربطت تاريخياً مصلحتها بأنظمة حكم استبدادية في العالم الثالث، وليس من مصلحتها انتشار الديمقراطية، التي "يدعو" لها خطاب سياستها الخارجية الرسمي.. ويضع في أعلى سلم أولياته الانتصار لحقوق الإنسان.

في حقيقة الأمر: قيم المصلحة الأنانية للدول.. وليست قيم الليبرالية المعلن التزامها بها، هي التي تتحكم في سلوك الدول على مسرح السياسة الدولية.. وهي وراء هامشية دور الأمم المتحدة... بل وراء الاستقرار الهش الذي يسود النظام الدولي.

يصعب الجمع بين التأكيد على سيادة الدول، وانتظار التزامها بشرعية عضويتها في النظام الدولي... ويظل السلام بعيد المنال.

* كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com