-A +A
محمد مفتي
دعت المملكة لعقد ثلاث قمم خليجية وعربية وإسلامية في شهر رمضان الماضي، وهي القمم التي تسابقت الكثير من الدول العربية والإسلامية على تأكيد حضورها عقب فترة وجيزة للغاية من إعلان النية على عقدها، في دلالة واضحة وملموسة على ريادة المملكة وقوة نفوذها الإقليمي والدولي، وفي إشارة ملحوظة لشعور جميع القادة المدعوين لحضور القمة بأن ثمة تهديدات حقيقية وخطيرة تحيق بكامل المنطقة.

لاشك لدينا أن الاختيار الدقيق لشهر رمضان المبارك ليتم فيه انعقاد القمم الثلاث هو اختيار متعمد، فجميع الدول المدعوة لحضور القمة هي دول إسلامية، والروابط التي تربط بينها جميعاً عميقة ومتشابكة ومتداخلة، فكأن القمم الثلاث بتداخلاتها بين كل ما هو خليجي وعربي وإسلامي هي مزيج من المنظور الروحاني مختلط بالمنظور السياسي، في تأكيد حازم وصريح للمستقبل المشترك، المرتكز على ماضٍ بعيد تثقله الروابط الجغرافية واللغوية وتدعمه سطوة الأعراف والعادات والتقاليد المتشابهة. لقد كانت القمم الثلاث بمثابة جرس تذكير للقيادات ولشعوبهم بأننا في الأصل أمة إسلامية موحدة، تربطنا الروابط الدينية أولاً قبل أية روابط أخرى، فالتحديات والمخاطر التي تواجهنا لم تعد مجرد تحديات عابرة من وقت لآخر، بل صارت تهديداً مباشراً وصريحاً وممنهجاً، واعتدء غادراً يتفاقم يوماً بعد يوم.


لقد ركزت القمم على توضيح دور إيران المتزايد في تهديد المنطقة، وقد أوضحت المملكة خلالها للجميع وبما لا يدع مجالاً للشك كيف تهدد طهران أمن الخليج، وكيف تدعم الحوثيين بالمعدات اللازمة لمهاجمة المصالح الاقتصادية لبعض دول الخليج العربي، وقد أدانت القمم الثلاث أيضاً تدخل إيران غير المقبول وغير المستساغ في الشؤون السورية، وخلال القمة تم إيضاح غيض من فيض الاعتداءات الإيرانية في المنطقة، وتم ذكر مجرد نماذج لسلوكها العدواني ضد السعودية والإمارات والبحرين والكويت، لقد أسهبت القمم الثلاث في عرض المخاطر وأوضحت حجم التهديدات التي تتعرض لها المنطقة، وبذلك تكون المملكة ودول الخليج المتضررة من سلوك إيران العدواني قد أبرأوا ذممهم من كل ما قد يحدث مستقبلاً كرد فعل للقضاء على التهديدات الإيرانية وإنهاء عبثها في المنطقة.

على الرغم من الحضور الكثيف والمتفاعل والإيجابي من غالبية المشاركين في القمة، إلا أن القليل جدًا من بعض الدول جاءوا تسبقهم أجندتهم السياسية، والتي تتجاوز انتماءاتهم الدينية وروابطهم التاريخية والجغرافية، والاعتراض على بياني القمتين من قبل بعض الدول لم يأت لصالحهم، بل سبب لهم إحراجاً وليس لنا، وذلك لعدة أسباب لعل أهمها أن الاعتراض جاء عقب انتهاء القمة وليس خلالها، وكأن المعترضين لم يجدوا الشجاعة الكافية في أنفسهم لكي يتبادلوا الحوار والمناقشة مع أشقائهم داخل أجواء القمة ذاتها، وهو ما يعكس انعزالهم عن المصالح العربية الكلية للمنطقة وانزواءهم وتغلب مصالحهم الذاتية الضيقة على مصلحة الأمة ككل وعلى المنطقة بوجه عام، ولذلك بدا الاعتراض على بياني القمة خاوياً وخالياً من أي مضمون، وكأنه اعتراض لمجرد الاعتراض فحسب.

لم تبدأ المملكة يوماً بالعدوان ولم تجنح أبداً للحرب، ولكنها أيضاً لم ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء من أي نوع، وهي قادرة بتحالفاتها وعلاقاتها الدولية النابعة من ثقلها السياسي والاقتصادي والأمني من بسط سيطرتها وحماية كل ذرة من ترابها الوطني، ولهذا فإن انعقاد مثل هذه القمم الثلاث في هذا التوقيت تحديداً هو رسالة ضمنية بأن الحرمين الشريفين أمانة في عنقها، وأن أي رد مستقبلي أياً كان نوعه سيكون انطلاقاً من ذلك، كما سيكون شاهداً على ظلم المعتدين وعلى افترائهم وعلى مبادأتهم بالعدوان، كما سيكون شهادة للتاريخ بقدرة المملكة على تأمين حدودها وحماية شعبها والحفاظ على المقدسات الإسلامية بعيداً عن عبث وترهات المعتدين.

* كاتب سعودي