قبل بداية القرن الثاني الهجري، بل وبعده أيضاً، كانت هناك إرهاصات فكرية ومنهج فكري يعتمد على العقل وليس النقل والرواية، ولا يتوقف أمام النص بل يهتم بالنظر إلى الغاية من التشريع.

ومن الأمثلة الواضحة لهذا المنهج الفكري ما قام به «الفاروق عمر» من عدم تطبيق أحكام سورة الأنفال عند فتح الشام والعراق بخصوص قسمة الأراضي إعمالاً للنص كما جاء في سورة الأنفال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِالله وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَالله عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.

ففي قسمة الأراضي بعد هذا الفتح قضى الخليفة عمر بن الخطاب بما تقتضيه المصلحة العامة والغاية من التشريع، فكان أن أشار معاذ بن جبل بترك قسمته، ووافقه علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وطَلْحَة بن عُبَيْد الله، وأشار عليه بلال بن رباح ومن معه أن يُقسمها بين المسلمين، فبقى عمر أيامًا يفكر، ثم أجمع أمره بوقفها وضرب الخراج عليها وصرفه في مصالح المسلمين.

وكذلك في نص مصارف الزكاة قال تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ الله وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ الله وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) من سورة التوبة». ولكن «الفاروق عمر» أوقف صرف الزكاة على المؤلفة قلوبهم لعدم الحاجة لتأليف قلوبهم، أو الخوف على السلم والتضامن المجتمعي، نظراً لقوة الدولة في تلك المرحلة من تاريخها.

أصحاب الأصولية التراثية لا يروق لهم أعمال الفكر والخروج على القواعد والأصول الفقهية، وهم يَرَوْن وجوب الاجتهاد المبني على القياس متى توفرت العلة، وكذلك على مفهوم النص لديهم القائم على التفاسير والنقل وليس على العقل والغاية والمصلحة والمعقولية.

وقد كان موقف المتقدمين من أهل الأصول التراثية وكذلك المتأخرين من الأصولية التراثية يهدف إلى التشكيك في كل محاولات التجديد وأعمال الفكر، ورفض أي محاولة لتغيير الأصولية التراثية، نظراً لقناعتهم بآلياتها القديمة، وبالقواعد والمعايير التي تأسست عليها، وما سُجل من سوابق، ودوّن من مرويات وأحداث.

ولهذا فقد تم القضاء على كل المدارس الفكرية التجديدية على مر العصور ومحاربة كل ما جاءت به من تجديد وتنوير ورغبة في العودة إلى غاية الدين والرسالة الأخلاقية والرحمة والسلام ونبذ الاختلاف الذي أصلته ورسخته هذه الأصولية التراثية.

والدارس للفكر الأصولي التراثي يتضح له جلياً أنه لا وجود لمدرسة رأي حقيقي في الأصولية التراثية؛ لأن هذه الأصولية عبر التاريخ حاربت وحرقت معظم ما كتب عن أي فكر حقيقي، بل وضيقت على أهل الرأي والفكر وبدعتهم وشيطنتهم وشككت في نواياهم وألبستهم ثياب الإلحاد والكفر وسوء النية والسريرة.

نحن في هذا البلد الحرام نملك كل المقومات البشرية والمادية لإنشاء مركز دراسات إسلامية لإعادة صياغة أصولية تقوم على الغاية النبيلة التي جاء بها الإسلام، وعلى الإخلاق كقيمة إنسانية جاءت بها الرسالة السماوية، ونادت بها المذاهب الفلسفية لخير البشرية. أصولية معاصرة تُحدث قطيعة مع أصولية التراث وآلياته ومنطلقاته وطريقته في اختزال الدين في الشكل أكثر من الموضوع.

* كاتب سعودي