تعد أسئلة الزكاة من أكثر الأسئلة تداولاً وتكراراً مع كل رمضان، فالجهل بها لا يزال مستمراً والغموض حولها قائماً مع استمرار الجدل والنقاشات حولها مع كل موسم رمضاني، إنها أسئلة الزكاة، باستحقاقاتها وشروطها وكيفية إخراجها وتحديد مستحقيها وكأن الناس لا يزالون حديثي عهد بالدين.

إن الجدل الذي ينطلق كل سنة في رمضان حول فلسفة الزكاة وشروطها وغاياتها ومستحقيها بالتزامن مع موسم إخراج زكاة الفطر في رمضان هو جدل لا يبحث عن إجابة بقدر ما يبحث عن منطق. ولا أظنه جهلا يلام عليه الناس، بقدر ما أن المتغيرات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية الكثيرة والعميقة لكلفة شرائح وفئات المجتمع بحاجة لاستيعاب ودراسة ومواكبة الواقع من قبل الجهات الرسمية والمرجعيات الدينية في المملكة وإحداث مواءمة وتناغم مع الواقع الحياتي والمعيشي للمجتمع وأفراده.

هناك حاجة ماسة لأن تتفاعل المؤسسات والمرجعيات الدينية الرسمية بشكل أقرب للواقع وبإيقاع أسرع وبانسجام أكثر مع تحولات الرؤية ٢٠٣٠ سواء على صعيد الأفراد أو صعيد المؤسسات، لا بد من تقنين كل أنواع الزكاة سواء كانت زكاة الفطر أو غيرها، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية وتطلعات المجتمع والبلد تتطلب ترجمة الآراء الفقهية الكثيرة التي يحاكي بعضها ظروفا اقتصادية واجتماعية لم تعد قائمة والتحول من العموميات من الآراء الفقهية المرصعة باللغة والأدب إلى الأرقام والإحصاءات والأتمتة والحوسبة.

لا بد من ملامسة الواقع أكثر وأقرب في موضوع الزكاة والأوقاف والصدقات وغيرها، من المهم فهم الأمور ميدانيا من قبل المرجعية المؤسسية الدينية الرسمية وعدم ترك الناس يتأقلمون بطريقتهم مع فقه الواقع في فوضى عارمة من الاجتهادات. لا بد من إعادة تقييم إخراج الزكاة في ضوء قانون الضرائب والمواءمة بينهما بطريقة عادلة لا تجحف بحق من يخرج الزكاة ويدفع الضريبة.

إن مراجعة فقه الزكاة في ضوء المستجدات من تحديات وتطلعات أمر في غاية الأهمية. فعلى سبيل المثال، ما معنى الإصرار على إخراج زكاة الفطر من «قوت البلد»، والكل يعرف أن فقراء البلد لا ينقصهم المأكل والمشرب، بقدر ما ينقصهم دفع إيجار السكن ودفع فاتورة الكهرباء والماء وفاتورة العلاج والدواء ومصاريف المدارس والمواصلات؟ ناهيك عن أن زكاة الفطر من «قوت البلد» يتم بيعها في البقالات خلال فترة وجيزة بعد إخراجها؟

ثم كيف لا يوجد لدى الجهات الرسمية أو المجتمع المدني أية إحصائية بالمحتاجين والفقراء الذين ينطبق عليهم أخذ الزكاة؟ لماذا يترك أمر تحديد المحتاجين في المجتمع للمتصدقين والمزكين أن يبحثوا عنهم مما يتسبب بأن الصدقات والزكوات تذهب بطريقة غير عادلة إلى 30% أو 60% من فقراء المجتمع، ويحرم منها النصف أو الثلث من المحتاجين والفقراء، نتيجة لغياب الإحصاءات والأرقام لهؤلاء المحتاجين؟

إن صدور واعتماد تطبيق «فُرِجت» للسداد عن المسجونين المعسرين خلال اليومين الماضيين والتفاعل معه والاستجابة السريعة له من الناس هي سابقة تتجاوز المعتاد وتؤكد أن التغيير في مجتمعاتنا تقوده إلى الآن التقنية أكثر من أن تقوده الحاجة والتخطيط. إن تطبيق «فرجت» دليل آخر على الفجوة الواسعة بين الفقيه والميدان التي لو ردمت لوصلنا إلى اليوم الذي لو أردنا إخراج الزكاة لما وجدنا من يقبلها أو يتقبلها. ناهيك عن أصالة هذا الشعب وكرمه وأريحيته.

أخيرا، لماذا لا تسند مهمة إخراج الزكاة وتوزيعها إلى هيئة الزكاة والدخل مع إلزامها بالشفافية وفرض المزيد من الرقابة عليها؟

* كاتب سعودي