خالد الجارالله (جدة)
قبل 16 عاماً ونيف، طوى الشاعر الرقيق والصحافي الأنيق عبدالله باهيثم صفحته الأخيرة، مشرعاً للذكرى أبواب عذوبة تتدفق من حنايا سيرته الإمتاعية الباذخة، ونوافذ ذكريات تدق بعصاتي «الأكسلفون» شجناً وارفاً يأخذ بناصية الحالمين إليه.

سيرة فاخرة لم تحطها هالة تستحقها، لكنها ظلت عالقة على جدران الثقافة السعودية، لم يكتب لها أن تفيض بكل مافيها إلى جماهيرية واسعة، فيما أغدقت الوسط الثقافي بفيض نتاج أنيق ونفائس أدبية مازلت تدغدغ نياط الذائقة الرفيعة.. واءم باهيثم بين تمرده بصفته مثقفاً مبدعاً، وجنونه باعتباره صحافياً ناقداً لا يجيد الانكفاء على تقاليده ولا يعترف بالرتابة. كان على مدى ثلاثة عقود خلت وضاءً بشغب لذيذ دفع رفاقه بتصنيفه، مشاغباً وصعلوكاً ومتمرداً في إبداعه وبوحه.

طوع باهيثم تعمقه في العمل الصحفي لخدمة المشاريع الإبداعية، وولد كبيراً في زمن العمالقة، كان بينهم ونداً لهم.

شق طريقه المهني بعمله معلماً للغة الانجليزية عام 1399هـ، فعمل في أواخر السبعينيات الميلادية محررا للشؤون الثقافية في جريدة الندوة (مكة حالياً)، ثم في القسم الثقافي بمجلة اقرأ عام 1985، رأس القسم الثقافي بصحيفة البلاد في عدة فترات وتوفي بعد أن كانت آخر محطاته. قدم باهيثم جملة من المشاريع الثقافية على رأسها ديوانه الشهير (وقوفاً على الماء)، ولم يمهله الوقت لتنقيح مسودة مشروع عمل روائي يوثق الحياة الاجتماعية في منطقة الحجاز في فترة تاريخية قديمة بحسب مقربين منه. له عشرات النصوص القصصية والقصائد والقراءات النقدية المتناثرة وكتب في عدة أعمدة آخرها عموده (خندق) في جريدة الرياض، وترجم بعض القصص الأجنبية.

توفي في 1 أكتوبر 2002، بعد معاناة مع المرض، وبعد أن كتب قصيدته الآخيرة موصياً ابنته ديمة الطفلة التي غدت اليوم يافعة تزهو بعبقرية والدها وحسه المرهف. وقال فيها «اعتمري طرفا من جنون أبيك، وانتبذي بعض موتي الوشيك

- وإن خفت -

فاختبئي بين أوردتي

وهوى أغنياتي القديمة»