تغيرت أحوال المجتمع، وتبدلت أموره، وأصبح اليوم غير الأمس انقشعت عن سمائنا غيوم التشدد والتنطع والأخذ بالرأي الواحد وترديده وإلزام الآخرين به، أصبحنا إلى الوسطية والاعتدال والانفتاح على بقية المذاهب الأخرى المعتبرة أقرب وأفهم. صدمة من غفوة علمتنا أن الدين يسر لين هين لا يشاد الدين أحد إلا وغلبه، دين يستوعب كل المستجدات ويكيفها التكييف الفقهي اللازم، ويصهرها في بوتقته لتصبح خيراً للناس ورحمة..

رمضان وهو يطوي صفحات أيامه ولياليه ليقترب من نهايته يبقى هناك شيء لا بد منه نودع به الشهر، ونطلق صيامنا من عقاله ليرتفع إلى أبواب السماء، ولا يتم ذلك إلا (بزكاة الفطر) التي لا يرفع الصيام إلا (بأدائها). يتكرر السؤال السنوي الذي يتردد على ألسنة البعض ويتجدد الجدل فيه؟ هل يجوز إخراج زكاة الفطر مالاً بدلاً من طعام؟

الشريعة الإسلامية شريعة الله الكاملة والخالدة فهي تجمع بين الثبات والمرونة مع رعايتها لمصالح الدين والدنيا ومصالح الأفراد والجماعات. وتأكيدا للمقاصد العامة للشريعة ومع تغير الأحوال وعدم حاجة الناس إلى الحبوب التي يدفع المحتاج مبلغا لنقلها وآخر لطحنها وخبزها، أو بيعها بأقل من سعرها، لهذا فإنه يجوز إخراج النقود الورقية في زكاة الفطر، ففي مصنف أبو شيبة عن أبي إسحاق قال «أدركتهم وهم يؤدون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام» كما روي عن أبي حنيفة أنه يعتبر الدقيق أولى من البر والدراهم أولى من الدقيق، فيما يروى عن أبي يوسف أن النقد أدفع للحاجة وأعجل به. روي عن الإمام أحمد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام رأى في إبل الصدقة ناقة مسنة فغضب فقال ما هذه؟ فقيل له يا رسول الله ارتجعتها ببعيرين من إبل الصدقة فسكت النبي، والارتجاع في الصدقة إنما يجب على رب المال أسنان فيأخذ المصدق أسنانا فوقها أو دونها بقيمتها فدل ذلك على جواز أداء القيمة في الزكاة. وممن احتج بوجوب أداء القيمة في الزكاة، قول معاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بخميس يعني الثوب أو لبيس أي الملبوس آخذه منكم في الصدقة بدل الشعير والذرة فهو أهون عليكم وخير للمهاجرين والأنصار بالمدينة، ومن المعلوم أن أخذ الثوب مكان الصدقة لا يكون إلا باعتبار القيمة، وقد أقره رسول الله على اجتهاده. كما صح عن النبي أنه قال: فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده الجذعة وعنده حقه فإنها تقبل منه يجعل منها شاتين إن استيسرا أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق شاتين أو عشرين درهما، فدل هذا أيضا على جواز أداء القيمة في الزكاة نقدا ويقول سيدنا عمر «إذا أعطيتم فأغنوا». والإغناء يحصل بأداء القيمة نقداً والنقد أدفع للحاجة وهذا ما ينطبق على زماننا الذي أصبح النقد مصدر سعادة للغني والفقير، وقد اجتهد سيدنا عمر لما رأى أن الحنطة في زمانه قد كثرت فجعل نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. (البخاري) كما فعل ذلك سيدنا علي وكان ينظر إلى القيمة في إخراج زكاة الفطر عند قدومه إلى البصرة. وممن أجاز إخراج النقود بدل الحبوب أبو حنيفة وأصحابه والحسن البصري والثوري وعمر بن عبدالعزيز.

فالنقد أقدر على تحقيق سعادة الفقير وتحقيق الغرض الذي من أجله فرضت هذه الزكاة، شوارعنا ليست ناقصة فوضى وزحمة وظلمة، وأرصفتنا مكسرة لا تتحمل بسطات الأرز والقمح والشعير والزحام يكاد يطبق على أنفاسنا، ويكفي ما عانيناه طوال شهر رمضان من (إفطار صائم) بالطرق العشوائية والذي كان يذهب معظمه هدراً إلى الزبالة. وقد وافق البخاري المذهب الحنفي في مسألة إخراج النقد بدل الطعام في زكاة الفطر مع كثرة مخالفته لهم لقوة حجتهم هذه والمسألة حتى أنه خصص باباً في صحيحه لبيان جواز أخذ العوض في الزكاة. فحاجة الناس إلى النقد أكثر من حاجتهم إلى الحبوب المزكاة التي أصبحت تجارة تدور بين الشوارع والحواري للحصول على النقد ويجوز أن تدفع زكاة الفطر للشخص الواحد وأهل بيته جميعا، حتى يتحقق الإغناء. ولا يجوز للأب أن يعطي أولاده من مال الزكاة حتى لو كانوا منفصلين عنه لأن الزكاة لا تؤخذ من الأصل لترد على الفرع. وفي المغني لابن قدامة يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها مستدلين بحديث زينب زوجة ابن مسعود، وقول رسول الله عليه الصلاة والسلام نعم ولها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة.

يسافر البعض قبل نهاية رمضان إلى خارج الوطن، فعليهم إخراج زكاة فطرهم في البلد الذي سافروا إليه، فهذه الزكاة سببها الفطر وليس الصيام، ولو مات شخص قبل مغرب اليوم الأخير من شهر رمضان فلا زكاة فطر واجبة عليه، ولو ولد مولود في نفس الوقت لوجب إخراج زكاة الفطر عليه، وبما أننا نعيش التحول الوطني أحد ثمار الرؤية فقد وفرت الهيئة العامة للزكاة والدخل مشروع (زكاتي) وهو جهة حكومية موثوقة لإيصال الزكاة إلى مستحقيها فليت الصائمون يتجهون لإخراج زكواتهم إليها فهي لهم أفضل وللفقير أبرك.

* كاتب سعودي