بقلم: د. عبدالله المدني

للمرأة الإماراتية إنجازات كثيرة مشهودة بسبب تسلحها بالعلم والثقافة، ناهيك عن طموحاتها اللامحدودة للارتقاء بنفسها ومجتمعها ووطنها إلى المكانة اللائقة التي تستحقها. ومما لا شك فيه أن الدعم الرسمي لها من لدن القيادة الإماراتية الرشيدة جعل إنجازاتها تزداد وتكبر وتنسحب على مختلف المجالات.

من هذه المجالات مجال الطب بتخصصاته المتنوعة الذي خاضته بثقة واقتدار، فصارت الإمارات تتباهي اليوم بثلة منهن مثل: موزة عبدالله الشرهان (أول طبيبة مواطنة تحصل على على درجة الدكتوراه في علم أمراض الأنسجة والخلايا)، عائشة مصبح المعمري (أول إماراتية متخصصة في مجال الطوارئ والعناية المركزة، وأول طبيبة تداوي جنود الإمارات البواسل في اليمن)، عميد متقاعد أسماء سلطان المغيري (أول طبيبة مواطنة تلتحق بالقوات المسلحة)، زينب كاظم (أول طبيبة مواطنة تتخصص في أمراض النساء)، كريمة العيداني (أول إماراتية تحمل درجة الدكتوراه في مجال الصحة النفسية)، غدير جابر (أول طبيبة مواطنة في جراحة الأطفال والأولى التي تحصل على البورد الألماني)، حبيبة الصفار (أول إماراتية تحصل على درجة الدكتوراه من جامعة ويسترن الأسترالية في تخصص العلوم الوراثية والجينية، ومن أوائل اللواتي وضعن خريطة جينية للأسر الإماراتية للكشف المبكر عن مرض السكر)، عائشة سلطان السويدي (أول إماراتية تتخصص في مجال طب الأسنان)، رولا شعبان (أول إماراتية تنال درجة البكالوريوس في تخصص الطب البيطري).

على أن حديثنا هنا يقتصر على الدكتورة نبيلة العوضي التي كانت الأولى لجهة التخصص في مجال طبي غير مسبوق في بلادها، هو مجال طب الطيران. وقبل أن نتحدث عنها وعن سيرتها ومشوارها الدراسي والمهني المليء بالتحديات، دعونا نتعرف أولا على المقصود بـ«طب الطيران» وتاريخ نشأته وتطوره.

يُعّـرف الطبيب البحريني الدكتور جعفر الطريف، وهو واحد من 12 طبيبا بحرينيا فقط تخصصوا في طب الطيران، بأن هذا الطب هو «أحد فروع الطب الوقائي الذي يدرس ظروف عمل كل من يعمل في الطيران بهدف الحفاظ على صحتهم لرفع قدرتهم على العمل، إضافة إلى تأمين السلامة للطيران في الجو وعلى الأرض». ويقول عن أهميته إنها «تنبع من الاهتمام الواسع لدراسة كوارث الطيران المتعلقة بالوضع الصحي والاستعداد المهني والأخطاء المحتمل أن يرتكبها طاقم الطائرة أثناء الطيران أو على أرض المطار بغرض منع تكرارها».

والحقيقة أن طب الطيران، الذي يطلق عليه أيضا طب الطيران والفضاء، لم يُعرَف فرعاً من فروع الطب في فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا والولايات المتحدة إلا في عام 1910، ولم يُعرَف في روسيا إلا بعد الثورة البلشفية سنة 1917، إذ كان قبل ذلك مجرد دراسات حول التأثيرات الفسيولوجية لراكبي المنطاد، وتغير الضغط الجوي ومكونات الهواء على صحة المسافر على رحلات الطيران. وبتوسع شبكات النقل الجوي وتطور وسائلها راحت الجامعات تهتم بهذا التخصص وتمنح فيه الدرجات العلمية، فصار يطلق على المتخصص إنْ كان عسكريا «جراح الرحلة flight surgeon»، وإنْ كان مدنيا «الفاحص الطبي للطيران aviation medical examiner».

في ملحقها الطبي والصحي نشرت صحيفة الخليج الإماراتية (2013/2/17) تقريراً حول دوافع نشوء هذا الفرع الطبي فأخبرتنا أن «أول شهيد في الطيران طبيب صعد بالبالون إلى ارتفاعات عالية، ونزل منها جثة هامدة، لذا أفرزت التجارب والأبحاث منذ منتصف القرن التاسع عشر حقيقة علمية صدمتْ الإنسان، وهي أنّ بيئة الارتفاعات العليا غير مناسبة للحياة، فكلما ارتفعنا إلى الأعلى نقص الضغط الجوي، ونقص نتيجة له الضغط الجزئي للأوكسجين الذي هو غاز الحياة، ومع تطور الطيران تطور الطب المختص به الذي أصبح أحد فروع علم الطب. ومن إفرازات علم طب الطيران في حماية الإنسان في بيئة الارتفاعات العالية من الغلاف الجوي ضغط مقصورة الطائرات، ويولى هذا المجال اهتماماً كبيراً لدراسة أسباب حوادث الطائرات، ووضع الضوابط اللازمة لمنع حدوثها وتجنبها ما أمكن» وإذا ما عدنا إلى الدكتورة العوضي، أول طبيبة إماراتية تتخصص في طب الطيران وتؤسس «قسم طب الطيران» في الهيئة العامة للطيران المدني في دولة الإمارات، نجدها تعـرّف تخصصها، في حوار مع مجلة زهرة (2011/12/28) بعبارات بسيطة مفادها أن «طب الطيران هو فرع من فروع الطب المهني يدرس ظروف العمل المهنية للعاملين في مجال الطيران من طيارين، مضيفين جويين ومراقبي الحركة الجوية. هو تخصص يركز على الظروف الصحية والنفسية المرتبطة بالطيران والوقاية من هذه الظروف، وتخفيف وعلاج الأمراض والعلل المرتبطة بالطيران». وعن اختلافه عن بقية فروع الطب قالت (بتصرف) إنه: «مجال رائع للعمل بعكس اعتقاد البعض أنه مجال محدود، فطبيب الطيران يجب أن يطور نفسه في كل مجالات الطب كالطب النفسي، القلب، الأعصاب، العيون الأنف والأذن والحنجرة، هذا إضافة إلى أن هذا التخصص يعنى بالقوانين الطبية المنبثقة من المنظمة العالمية للطيران المدني، وبالتالي هو يجمع بين القانون والطب وهذا سبب تفرده، ناهيك عن أنه مجال دقيق جدا وفيه الكثير من التحدي، فمن السهل مثلا اتخاذ قرار بسحب ترخيص طيار للاشتباه بإصابته بمرض معين (مثل سرطان المخ)، ولكن الصعب هو الوصول إلى قرار آمن مدعوم بالبحوث الطبية».

ولدت الدكتورة نبيلة محمد العوضي في دبي في أواخر ثمانينات القرن العشرين لأسرة تنحدر من بلدة «عوض» بجنوب فارس العربي الذي يسمى اليوم «محافظة فارس». وتقول صفحة عائلة العوضي على الفيسبوك إن أصولهم من المهاجرين العرب من نجد والحجاز الذين نزحوا لفارس إثر قحط وشدة أصابتهم، فهاجروا إلى فارس واستقروا بأرض سَمَّوْهَا «عوض» تعويضا عن أرضهم بالجزيرة، ثم عادوا وانتشروا في الخليج والحجاز، فبرز منهم أعلام كثر في مختلف المجالات، ومنهم من شغل حقائب وزارية كما في الكويت (الدكتور عبدالرحمن العوضي وزير الصحة السابق) والمملكة العربية السعودية (محمد بن محمد علي العوضي وزير التجارة والصناعة في عهد الملك فيصل رحمه الله)، ومنهم من نبغ في العلوم والتجارة والدبلوماسية والشريعة والإعلام والأدب والشعر والفن وإدارات الدولة والحقل الأكاديمي. درستْ العوضي في مدارس الإمارات وتفوقت في دراستها الثانوية، بل خططت مذاك بعناية لأهدافها المستقبلية، فحلمت بدراسة الطب واختارت التخصص في الباطنية بالجامعة الأردنية.

وصفت سنوات دراستها، في حوار لها مع صحيفة العين الإلكترونية في ديسمبر 2011، بالمتعبة جدا، لكنها استدركت فقالت إنها بفضل الله تغلبت على كل الصعوبات وتخرجت بمعدل «جيد جداً». ولدى عودتها مظفرة إلى وطنها أكملتْ سنة الامتياز في مستشفى القاسمي بالشارقة، ثم انضمت إلى قسم الباطنية في مستشفى البراحة بدبي، إلا أنها لم تكمل التخصص في الباطنية على الرغم من أنها أنجزت سنتين في طريق الاختصاص، وأكملت الجزء الأول من امتحان الزمالة البريطانية لتخصص الباطنية، فما السبب يا ترى؟.

تجيبنا العوضي قائلة (بتصرف): «كنت أحب تخصص الباطنية جدا، لكن تركي له وانضمامي للهيئة العامة للطيران جاء بمحض الصدفة. فقد تلقيت اتصالا من قبل شركة توظيف يعرضون علي وظيفة جديدة بتخصص جديد، ولأني أؤمن بأن الصدف لا تتكرر في حياة الإنسان أحببتُ أنْ أدرس الموضوع. بصراحة كان القرار صعباً نوعاً ما، لأني كنت أحب عملي في قسم الباطنية كثيراً، وخوض مجال طبي جديد نسبياً كان تحدياً كبيراً، واخترت أنْ أقبل التحدي لأكون أول طبيبة إماراتية تعمل لدى الهيئة».

لكن ما هي التحديات التي واجهتها في عملها الجديد؟، إذا ما علمنا أن العوضي بدأت عملها في الهيئة العامة للطيران في عام 2004 مفتشة في قسم «طب الطيران»، الذي لم تكن وظائفه أو مسؤولياته واضحة وقتذاك، وإذا ما عرفنا أن معلوماتها عن طب الطيران في تلك المرحلة كانت ضئيلة، ناهيك عن عدم وجود من يأخذ بيدها ويرشدها إلى نقطة البداية، لأدركنا حجم التحديات الكبيرة التي واجهتها في عملها الجديد.

لكن الهيئة العامة للطيران وفرت لها الدورات التخصصية والتدريبية اللازمة عبر ابتعاثها إلى الخارج. فعلى مدار سبع سنوات سافرت إلى العديد من الدول وحصلت على عدد من الشهادات المعتمدة عالميا، كشهادة طب الطيران من جامعة موناش الأسترالية، وشهادة طب السفر من جامعة لندن، ودبلوم عال في الطب المهني من جامعة مانشستر البريطانية، ودبلوم عال في إدارة الإجهاد المهني، وشهادة عامة لطب الطيران من جامعة أوتاغو النيوزيلندية، وشهادات دبلوما في التغذية من جامعة أستونبرغ البريطانية، وشهادات دبلوما في الإدارة من الإمارات، والعديد من الدورات التخصصية الأخرى في مجال الطيران. كما حضرت وشاركت في العديد من المؤتمرات الدولية ذات الصلة بطب الطيران والفضاء، وقامت بزيارات لعدد من الدول بهدف التعرف على طبيعة عملها في مجال طب الطيران. وفوق هذا وذاك راحت تقرأ كثيرا وتسأل طويلا عن تخصصها الطبي الجديد، الأمر الذي، في مجمله، منحها خلفية معلوماتية ثرية استثمرتها في تأسيس قسم طب الطيران بالهيئة على أسس علمية مع تطويره باستمرار.

واليوم تترأس العوضي قسم طب الطيران وتضطلع بمسؤوليات كبيرة ومهمة مثل: تشريع كل القوانين الخاصة بطب الطيران المدني للعمل بها في دولة الإمارات، إعداد البروتوكولات والإجراءات لتطبيق هذه القوانين، وضع القوانين الخاصة بترخيص الأطباء للعمل في مجال طب الطيران وبما لا يتعارض مع قوانين وزارة الصحة، التفتيش الدوري على العيادات المرخصة والأطباء المرخصين، التدقيق والمراجعة على كل المعاملات والفحوص التي يقوم بها الأطباء المرخصون للتأكد من التزامهم بالقوانين المعمول بها، مراجعة القوانين الدولية الأوروبية بصورة مستمرة لتعديل أي قانون لا يتماشى مع القوانين السائدة في هذا المجال، وغير ذلك من المسؤوليات التي تصب في تأكيد السلامة الجوية، وأمن سماوات الإمارات، ورفع مستوى الأداء الجوي، وضمان خضوع الأطقم الجوية لرقابة ومتابعة حالاتهم الجسدية والنفسية والعقلية.

علاوة على ما سبق، تقول الدكتورة العوضي إنه كلما طرأ موضوع جديد، فإن عليها أن تبحث عن كل تطبيقاته على مستوى العالم وتدرس مدى إمكان ملاءمته وتطبيقه في دولة الإمارات، خصوصا أن طب الطيران من المهن سريعة التطور على مستوى العالم، فكل يوم هناك اختراع جديد وبحث جديد وعلاج جديد، وبالتالي إجراء جديد لتفادي أي شكل من أشكال تعريض السلامة والأمن الجوي لأي خطر، مضيفة «لذا، لدينا اليوم في هذا القسم قانون منبثق من المنظمة الدولية لطب الطيران، ولدينا إجراءات داخلية للتعامل مع كل الحالات الخاصة بالطيارين وأطقم الطائرات، وبفضل من الله نواكب كل جديد في مجال الطب بشكل عام وطب الطيران بشكل خاص».

وهكذا حققت هذه الإماراتية الموهوبة نجاحات مشهودة في عملها تُرجعها أساسا إلى ما غرسه فيها والداها من مبادئ، وعلى رأسها الجدية والالتزام بالوقت والمواعيد. وفي هذا سُجل عنها قولها: «أعتقد أن سبب نجاحي في كل مراحل حياتي كان التزامي بهذين الأمرين، ومساندة زوجي وأهلي وأهل زوجي وتحملهم معي ظروف عملي وسفري ومساعدتي في تربية أولادي عند غيابي». ثم أردفت قائلة (بتصرف): «أما إنجازاتي في مجال طب الطيران فأستطيع أن أقول إنني مؤسسة طب الطيران في في الإمارات، ورئيسة لجنة طب الشرق الأوسط للطيران المدني، وباعتبار الإمارات ثالث دولة في العالم تطبق برنامج فحص الكحول والمخدرات، فقد قمت بكتابة جميع القوانين والإجراءات المتعلقة بهذا البرنامج بما لا يتعارض مع القانون العام للدولة عام 2011، ونظمت أول دورة لطب الطيران عام 2008، وأول مؤتمر للطب المهني في مجال الطيران عام 2011، وأول دورة في قانون طب الطيران سنة 2009 للأطباء المخولين في الهيئة، ونظمت أول مؤتمر للطب النفسي للطيران عام 2011، إضافة إلى أنني عضو تأسيسي في مشروع مطار أبوظبي للاحتياجات الخاصة، وشاركت مع الهيئة في حملة «نحب سماءنا» في مجال أهمية الفحص الطبي قبل السفر، وأشارك بصورة منتظمة في مؤتمرات الطب المهني المرتبط بمواضيع طب الطيران كمحاضرة».

أما أكثر ما يؤلمها في عملها وتعتبره من الصعوبات التي تواجهها أحيانا، فهو التوقيع على رسالة بسحب الترخيص من طيار لعدم كفاءته الطبية. ولأن ذلك بمثابة إنهاء المستقبل الوظيفي للمعني فإنها تقول: «ولكي أصل لقرار كهذا أقرأ كثيراً وأبحث في كل المراجع الطبية حول إمكان مساعدته، وإنْ تعذر ذلك فألتزم بالإجراء اللازم لسحب الترخيص منه».

وفي حديث لها منشور في الملحق الطبي والصحي لجريدة الخليج الإماراتية (17/2/2013)، أعربت العوضي عن انزعاجها وشجبها للمواقف غير المسؤولة لبعض الطيارين لجهة إخفاء معلومات طبية مهمة عن الطبيب الفاحص أو المفتش. وفي الحديث نفسه تطرقت إلى «طب السفر» الذي وصفته بمجال متفرع من طب الطيران يختص بالمسافرين المرضى من ذوي الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب والأنيميا، أو من ذوي الأمراض المعدية كالسل، موضحة أن طبيب السفر يقوم بالتواصل مع طبيب طيران لترتيب أفضل الحلول الصحية للمسافر المريض قبل السفر، من أجل أخذ كافة الاحتياطات اللازمة، مضيفة أنه لا يجب الخوف من المسافرين المصابين بأمراض معدية لأن «طائرات اليوم مجهزة بأنظمة تهوية وتنقية تعمل بمعدل 30 مرة في الساعة، كما أن 50% من هواء الطائرة تتم تنقيته أو فلترته، وعمليه تعقيم الهواء على الطائرة في حالات وجود الأمراض المعدية تجري بالطرق المعتمدة نفسها في غرف العمليات».

ومن الأمور الأخرى التي تحدثت عنها العوضي علاقة الطب النفسي بطب الطيران فقالت: «هو ليس فرعاً من طب الطيران، ولكننا نعمل بصورة مقربة جداً من الأطباء النفسيين، فالأمراض النفسية مثل كل الأمراض ممكن أن تحصل للعاملين في مجال الطيران كغيرهم من الناس، لكن الفرق أن وضعهم حساس، وهذه الأمراض إذا لم تُعالج بصورة صحيحة تؤثر سلباً في ترخيصهم. وغالباً معظم الأمراض النفسية لا تسمح بالطيران مثل: الخوف من الطيران، الاكتئاب الناجم عن ضغوط الحياة ومشكلات الأسرة، اضطراب الشخصية، انفصام الشخصية».