بدر عبدالعزيز
تثاقل المجتهد المتحمس طويلاً حتى أزاح الغشاوة عن عينيه، وكأنه أدنى الناس إدراكاً وأقلهم استيعاباً، تلاشى عنه خلصاؤه فبدا واقفاً في آخر الصفوف بعد أن كان في أولها، انكفأ مُتقوساً تحت وطأة غمّ لاحت آياته في وجهه، أراد أن ينهي في ثوانٍ صراعا دام لسنوات طويلة، نهاية لا تشفي غليل من تربص بهم وتنمّر عليهم وألقى عليهم الكلم بعد أن حرّفه عن موضعه، اعتذر علّه يخفف عن نفسه أحمالها، ولكنه نسي أو تناسى أنه باعتذاره قد زاد على المجتمع أحماله، فحين فسّر لهم معنى أن تكون الحياة جميلة كان شبابهم قد ضاع، شعروا بمعنى الحياة وفي لحظة أدركوا أنهم لن يصلوا إليها، لأنهم قد هرموا وهي بعيدة كنجم، نجم قد هوى بفعل السنين ولم يلمسوه بأيديهم!

عندما يتموضع المجتهد المتحمس أكثر مما يجب فوق الحق، ويندس وراء الخير والشر، تصبح الأخلاق مجرد وسيلة ينتفع بها! وينعدم عنده التمييز بين ماهو ظاهر وماهو حقيقي، وعند مواجهته لأي أفكار أو أيديولوجيات لا تتوافق ومنهجه الذي يريد شيوعه في المجتمع فإنه يمتلئ غيظاً، ويسمح لنفسه بأن يستبيح الكذب الورع ويصوغ الادعاءات بلا حقائق، ويضع انفعالاته النفسية موضع الحكم الديني، حتى لو أدى ذلك لانحراف الطريق به وبالمجتمع، لأن الغاية عنده ليست حفظ المجتمع من الانزلاق في براثن التطرف أو الالحاد بل في الهيمنة على العقل الجمعي تاركاً لسبابته الإشارة بالأمر والنهي أياً كانت العواقب.

وعندما يصبح التغيير ضرورة حتمية يمتطيه ليهرب به للأمام جاعلاً منه أداة للقيام بدور جديد يواكب فيه المزاج السائد، إنه اعتذار ليس له معنى، واستغفار يحتاج إلى استغفار.

Badr.AlGhamdi.kfsh@hotmail.com