«أعقل المجانين» بهذا الوصف عرفه النيسابوري في كتابه «عقلاء المجانين» هو أبو وهب بهلول بن عمرو الصيرفي الكوفي المتوفى عام 810هـ، يقول عنه الإمام الذهبي وسوس في عقله وما أظنه اختلط أو قد كان يصحو في وقت ويغيب في وقت، فهو معدود في عقلاء المجانين. له حكايات وطرائف كثيرة مع الخليفة العباسي هارون الرشيد، كما وردت عنه حكاية طريفة حدثت له مع رجل أراد أن يمكر به، «فقال له الرجل: رأيت في المنام البارحة أنك وهبتني مائة دينار من الذهب ! فضحك بهلول وعلم ما يدور في نفس الرجل من استهزاء له! فقال بهلول: نعم الأمر على ما وصفت أعطيتك المائة بالتمام لكني أستحي أن أسترد ما وهبته إياك في المنام ! فخجل الرجل ولم يستطع الرد على بهلول» !

تذكرت بهلول وسرعة بديهته ورجاحة عقله الذي يأتي ويغيب في عصرنا الذي انتشر مجانينه فبدأوا يتحدثون عن الجاذبية الأرضية والفتوحات الإسلامية وعظائم الأمور بدون أن يستردوا ولو جزءا بسيطا من عقل ذهب أدراج الرياح، فعندما خلت الساحة من المفكرين ذهب «مثقفو الغوغاء» ليرسلوا مسلمات لا تقبل الشك من خلال منابر إعلامية يتحدثون بها لعامة الناس بدون ضوابط أو قوانين، وما نادي كوميديا جدة عنا ببعيد ! كنا نكتب ونحذر من وعاظ ومفسري أحلام غيبوا العقل والمنطق واتخذوا «الشعبوية» هدفاّ لهم وكانوا يتباهون بعدد الحضور في حلقاتهم والمتصلين على برامجهم، فدار الزمن دورته وأصبحت المنصات الآن للمشاهير وأرقام المتابعين هي الحكم ! وكأن الجمهور هو من يحدد استضافة أحدهم وهو الحكم والفيصل في ذلك دون النظر لقيمة الضيف أو آرائه وتجاربه، كما برر ذلك مقدم برنامج الليوان في لقائه مع الممثل المسرحي على الهويريني أن الجمهور هو من انتظر المقابلة التاريخية على أحر من الجمر ولست أنا وكأني به يبرر وجود ممثل معه في مقابلة تلفزيونية !.

فرحنا وحمدنا الله على انقشاع غمة التشدد التي عانينا منها كثيراً ودخلنا الآن إلى ما هو أسوأ فنحن نعيش ثقافة القطيع الأشد خطورة مما سبق، كيف ونحن نرى مشهورا واحدا يستطيع إخراج مئات الآلآف من الشباب والنساء لحضور حفلة أو شراء منتج وكأن هذا هو النجاح ! هو نجاح استهلاكي لا قيمة له مصلحته تصب في حساب ذلك المشهور أو المشهورة فقط، هو حضور هلامي هش تستطيع كسره لا فائدة من هذه الأعداد إلا في ما يوجه ذلك المشهور أو يتفوه به من يجيد الأداء المسرحي وهؤلاء لا يملكون من العلم شيئا!

تفرض الدول ضرائب وقوانين على مثل هؤلاء ونحن الحبل على الغارب، وكأن الزمن يعيد دورته مرة أخرى، فبعد الوعاظ ومفسرو الأحلام والرقاة الزائفون ليأتي المشاهير ليحتلوا ذات المكان وليعيدوا ذات الخطاب المشوه للمجتمع، احذروهم!

* كاتبة سعودية

monaalmaliki@

almmona@KSU.EDU.SA