نعم الله أمامنا في كل لحظة، وسبحان الله أننا نعيد اكتشاف العديد منها خلال الشهر الفضيل، وبالذات النعم الغذائية. ويحتل الفول مكانة خاصة حول العالم، علما بأن الصين هي الدولة الأولى في زراعته، ويتربع على عرش السفر الرمضانية بشكل خاص. ولو تأملت في بعض تفاصيله، فستجد ما يستحق وقفات فكرية، فالموضوع له أبعاده الجميلة: فضلا تأمل في أحد الأسرار الأساسية لقيام الحضارات واستمراريتها، وستجد أن السلة الغذائية هي أحد مفاتيحها. والبقوليات بشكل عام لها مكانة خاصة في دفع المسيرة الحضارية لأن فوائدها الغذائية كثيرة جدا. ولكن هذا في حد ذاته لا يبرر أهميتها، فلا بد من إضافة أهمية زراعتها، وتخزينها، وتجارتها ونقلها فكل هذه تتفوق على العديد من المحاصيل الأخرى. ويحتل الفول مكانة مميزة بين المحاصيل التي نشأت عليها الحضرات لأنه من «القبضايات» الزراعية. والمقصود هنا هو أنه يتحمل درجات الحرارة المختلفة، والاختلافات في أوضاع التربة أيضا، ولذا فتجده في بلدان مختلفة شمالا وجنوبا شرقا وغربا. وبمناسبة ذكر موضوع التربة، فهناك مميزات رائعة للفول، فهو من النباتات التي «تضخ» النيتروجين في التربة فتجعلها صحية ومثمرة بمشيئة الله. ولكن كونه من «قبضايات» المحاصيل لا يعني أنه ليس من أجملها. تأتي حبات الفول مرصوصة بطريقة جميلة، وكأنها حبات لؤلؤ بداخل قرن أخضر متين. وتجد تلك اللآلئ «الفولية» محاطة بطبقة مخملية ناعمة جدا، وسبحان الله كأنها تقدم في محل مجوهرات. وحبات الفول نفسها هي عبارة عن قطع فنية جميلة، سواء كانت خضراء أو بنية فهي تتميز بتكحيلة جميلة جدا بالخط العريض. وكأن كل حبة تعلن لك عن جمالها، وتألقها، بالكحل الأسود الرائع. ولكن الأهم من ذلك هو أن الفول كان ولا يزال في الغالب يرمز إلى طعام الطبقات الكادحة التي لا تستطيع أن تحصل على احتياجاتها الغذائية من الثروة الحيوانية... يعني لأولئك الذين لا يملكون القدرات لأكل اللحوم. ومن العجائب أن عندما اجتاح وباء الطاعون في الفترة 1347-1351 وتسبب في وفاة أكثر من ثلث سكان قارة أوروبا بأكملها، أحدثت تلك الكارثة تغيرات سكانية واقتصادية غريبة. بسبب الوفيات وما ترتب عليها من إجراءات الإرث، ركزت الثروات في أيدي مجموعة أقل من الناس وهم الورثة، وارتفعت القدرة الشرائية بطريقة غير متوقعة... وانقرض دور الفول والبقوليات الأخرى الرخيصة في وجبات أوروبا، وارتفع استهلاك اللحوم كالبديل الأساس للحصول على البروتين. ارتباطات «فولية» عجيبة.

وبالرغم من روائع الفول، إلا أن هناك بعض التحديات التي تحد من فوائده، ومن أهمها على الإطلاق أن بعض الناس لديهم حالة حساسية نادرة بسبب نقص في أحد الإنزيمات وشهرته G6PD التي قد تسبب حالات إرهاق وتعب وربما حتى الوفاة لا سمح الله. وهناك أيضا بعض التحيز الشديد العجيب ضد الفول ومنه ما جاء في توجيهات العالم والفيلسوف الإغريقي فيثاغورس... وإحدى أشهر أفكاره هي نظرية المثلث الشهير. كان لهذا الرجل الفذ مدرسة فكرية متميزة في اليونان. ولتلك المدرسة قواعدها الفكرية وتشمل بعض القواعد الغذائية، ومنها منع طلبته من أكل الفول، بل وحتى منعهم من المشي في حقول زراعة الفول. وأحد التفسيرات أنه كان يؤمن أن كل حبة فول بداخلها أرواح. وبصراحة، كنت مسافرا بالجو حديثا بعد أكل وجبة فول مدمس رائعة جدا ولكنها دسمة جدا، وتذكرت فيثاغورس لأنني شعرت بكل فوله أثناء الطيران. كنت محلقا أثناء سفري الجوي، وكان الفول محلقا بداخلي.

أمنيــة

كل فولة وراءها حكاية: حكايات تشكيل تاريخ الحضارات، وتطوير التبادل التجاري، والتخزين الغذائي، والنقل. وحكايات التغذية الآمنة الغنية بالفوائد، ورفع إنتاجية التربة، والارتقاء بالنوعية الغذائية المنخفضة التكلفة، وأكثر. أتمنى أن تتأمل في كل هذا عند استمتاعك بصحن الفول اليوم بمشيئة الله.

وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي