بين حوادث التحرش اليوم وحلقات العاصوف عدت إلى روايتي التي أكتب فيها منذ أعوام والتي هي وثيقة لأحوال الرياض الاجتماعية من 1919- 1969.. وكان هذا النص القديم حدثا وكتابة:

«تعالي يا عيوني».. كلمة عيوني الدخيلة الماجنة إلاّ قليلاً.. لا تقولها إلاّ الماجنات أو النساء المترفات اللاتي كن قد تربين وحولهن عبدات يخفين مجونهن، فتسبق حديثهن أو طلبهن لحاجة ما.. أما نساء الأسر المحافظة فلا يعرفن هذا اللطف المغرق في الدلال.

- يبغى جسم زينٍ يا عيوني

رنت الجملة في أذنه وهو في محال القماش، فجاءت كإجابة صاعقة من المرأة على سؤاله للبائع، والذي لم يرمه إلاّ لإثارتها:

- يا أبو محمد نشتري لحريمنا من قماشك، ولا يطلع زين عليهن مثل عميلاتك.. وش السواة؟

ارتعدت أوصاله عندما قالت (يا عيوني) فلقد أثارته بأضعاف حجم إثارته لها.. كان سؤاله المبطن بالغزل لا يعدو إلاّ شرارة، إزاء الحريق الذي أشعلته المرأة في جسده. أراد القروي القادم من إحدى قرى الوشم التحرش مُلحا بهذه المرأة التي تغطي وجهها وجزءا كبيرا من جسمها بالعباءة. يجزم بأنها مثيرة من رنة صوتها المغرقة في الأنوثة والمدنية.. فهي تجر صوتها جرا، تتحدث وكأنها تتبسم، تسأل عن سعر ذراع القماش وكأنها تتغزل، عبقة برائحة عطرية تشبه رائحة الهيل الممزوجة باللبان مع خيط من المسك الأبيض.. إنها متيقظة، وممهورة بالغنج هذه المرأة التي تتجول في السوق.. تجعل البائعين يذوبون ولعاً، ويتمنون لو يركلون زوجاتهم المغرقات في روائح نتنة تجمع بين روائح الملابس القديمة، وروائح الطبخ المتراكمة، وربما رائحة قن دجاج أو حظيرة دواب.

التحرش بالنساء فن يتقنه الرجل الأكثر دهاء.. كيف تتحرش وتضمن خط العودة.. كيف تقيس قبل أن «تغيص» حسب مثال العامة، و«من لا يقيس قبل يغيص ما ينفع القيس عقب الغرق»! التحرش كي لا يتحول إلى جريمة أو شائنة اجتماعية يجب فيها أن يقيس الرجل الخابر بالحال ويعرف هذه المرأة من أي صنف.

* كاتبة سعودية

abeeralfowzan@hotmail.com