اكتوينا بنار المعارك سابقاً فمن معركة «الحداثة» إلى معركة «معرض الكتاب» وصولاً إلى معركة «فتاة التخيل» وفي كل مرة لم ينتصر أحد، الانتصار كان حليفاً للخلاف الذي أوصل الجميع إلى حالة احتقان وحروب كلامية وتكفير وتقسيم المجتمع إلى فسطاسين! كان ماضياً تعيساً بغفوة عاشها المجتمع أنتجت صراخاً وعويلاً وحقولاً من الألغام لم يسلم منها من كان له رأي مختلف أو شعر أننا نتجه للهاوية! ولكن في النهاية بزغ النور وأصبح الماضي بكل حمولاته وآلامه موضع نقد وتحليل للخروج منه بما يحمينا في هذه المرحلة من تكرار ذات الخطأ، فهل نعيد معارك بائدة لا تسمن ولا تغني!

الموضة السائدة الآن هي المطالبة بالاعتذارات عن مرحلة الصحوة! فكرة الاعتذار في ذاتها أزعم أنها فكرة حالمة يشوبها كثير من الحمق وليعذرني من يطالب بذلك ولكن لماذا؟ لأن من يعيش في مرحلة سابقة يعلم أنها انتهت ويطالب خصومه فيها بالاعتذار أو تسديد ديونهم السابقة عن عمر مضى مثلاً هي رغبة في الانتقام فقط! هذا الانتقام لا يمكن أن يبني، الانتقام يقتل صاحبه أولاً! فما فائدة اعتذار شيخ من شيوخ الصحوة لي الآن وقد مضى كل شيء، ماذا سيفيدني اعتذاره الآن؟! الاعتذار الآن ممن لم يبق في يده من الأمر شيء هو بقاء لذلك الفكر حاضراً بيننا واعترافاً ضمنياً أننا مازلنا نعيش في جنبات المرحلة البائدة مرحلة الغفوة لم نخرج منها نتذكر أيامها ولياليها، أميتوا تلك المرحلة بعدم ذكرها!

من ينظر للماضي ليستجدي اعتذاراً أو اعترافاً بخطأ صدر بحقه سيتعثر ويسقط، النظر للماضي وإصدار كشف حسابات بحقه مضيعة للوقت والجهد الذي تحتاجه لبناء المستقبل الذي تريد، فحتى في قمة المعارك السابقة للمرحلة البائدة مرحلة العويل والصراخ مرحلة قلب الحقائق والمفاهيم مرحلة الصحوة لرغبات السيطرة على الناس باسم الدين! كانت اللغة السائدة لعظماء الرجال الذين واجهوا هذا الفكر الماضوي لغة قوية صارمة لم يطلبوا منهم اعتذاراً كانوا يقارعون الحجة بالحجة والدليل بدليل آخر، في حواراتهم ومقالاتهم ومحاضراتهم جمال بيان وقوة منطق وحضور بديهة، دعونا نقرأ لمستشار خادم الحرمين الشريفين الأمير خالد الفيصل والاستثنائي الدكتور غازي القصيبي يرحمه الله ما كان بينهما وبين الصحوة الزائفة لنتعلم ونقرأ ماضينا ولنتعلم كيف نبني مستقبلنا، وكيف نربي جيلا يحمل فكر هذين الرجلين، رجلا التاريخ، ولنكف عن مطالبات وبكائيات لا مكان لها بيننا الآن.

* كاتبة سعودية

monaalmaliki@