في حلقتين جاذبتين استطاع الأستاذ عبدالله المديفر أن يجعل برنامجه (الليوان) مأدبة دسمة ليس للأكل وإنما لتحريك مياه الماضي وكشف ماذا فعل بنا الخطاب الديني المتشدد من خلال مشايخ الصحوة..

وقبل البدء في مقالة اليوم أحتاج إلى فتح قوس كبير لأبين معنى مفردة الليوان، فهو (مصطلح يستخدم منذ العصور القديمة للإشارة إلى فراغ مبني طويل وضيق أمام القاعة، في كثير من الأحيان مفتوحة على الخارج.. ويكبيديا) بمعنى أنه مكان لاستقبال الضيوف.. وفي حلقة أول أمس استضاف البرنامج الأستاذ علي الفقعسي رئيس المجلس العسكري لتنظيم القاعدة بالسعودية ليكون الضيف الذي تحدث عن تجربته الشخصية منذ البدء وصولا إلى حكم القضاء واستمرار حبسه تنفيذا لمحكوميته.

في تلك الحلقة تم ذكر أحداث ومواقف عديدة أودت بالأستاذ علي الفقعسي الى مصير الحبس (الطويل)، وتحميل الصحوة ورجالها مسؤولية ما وصل إليه من توريط حياته بأحداث متشابكة معقدة التي بدأها بالانتماء إلى القاعدة مجاهدا (كما كانوا يسمون الانتماء آنذاك). وعلى مدار الحلقة كان علي يصف ويشرح ما حدث كاتباع من غير تدبر أو مراجعة، إلا أن فترة السجن مكنته من مواجهة النفس بتجرد لكي يصل إلى قناعة جديدة مغايرة لما كان عليه من تسليم عقله وحياته للمحرضين وخطابهم الكاره للحياة. وفي نهاية الحلقة أكد أن الظرف التاريخي لنشاط شيوخ الصحوة وتحريضهم للشباب من أجل تكفير كل ما هو مغاير لأفكار الصحوة من أفراد ومؤسسات ودول، وأن ذاك الخطاب تسبب في خراب حياة الكثيرين منهم من قتل ومنهم من حبس ومنهم من لا يزال سادرا في غيه.

ولمن أراد التأكيد بما فعله بنا الخطاب الديني يستطيع إعادة الحلقة، والوقوف على كل ما قيل.

والآن، أريد استكمال المقالة برجاء للأخ الأستاذ المديفر:

أخي عبدالله تقديمك وحوارك مع الشاب «علي الفقعسي» يحسب لك، وكما يقال في المفهوم الصحفي حققت (خبطة صحفية)، ولكي لا تكون (الحلقتان) مجرد سبق صحفي رجائي عليك التكثيف في استضافة الشباب الذين يرزحون داخل السجون بعد وصولهم إلى قناعة أن الدين أمر سهل لا يحتاج إلى التعقيدات وإنما إلى تأسيس حياة متفاعلة مع الكون بجميع ما فيه، فقد جاءت كل الديانات لبناء الإنسان بقيم إنسانية تجعل جميع الخلق متشاركين في بناء الحياة من خلال التسامح والحب لكل الكائنات التي خلقها الله.

وكما شرحت -أنت يا أخ عبدالله- في بداية الحلقة بأن الجهات الأمنية لم تمانع من استضافة الأستاذ علي الفقعسي فإنها لن تمانع في استضافة الآخرين الذين وصلوا إلى قناعات فكرية بأن ما كانوا عليه لم يكن إلا خطأ أودى بحياتهم إلى السجون، واستضافة مثل هؤلاء الشباب (الآن وصل بعضهم إلى الكهولة) يحقق أهدافا كثيرة، وهي أهداف خيرة، أهمها إعطاء العبرة وإيضاح أن الطريق المعقد لا يوصل إلى الله، وإنما يوصل إلى دمار (المنتمي) لتلك الأفكار، ويوصل أيضا إلى دمار الأمة.

والملاحظة الجوهرية -يا أخ عبدالله- في مقابلتك مع الأستاذ علي كانت العجلة لديك حاضرة وطاغية من أجل رغبتك في تغطية نقاط عديدة وأسئلة مديدة، فلماذا العجلة؟ إذ يمكنك استضافة عنصر أو شخصية مثل الأستاذ علي، ومنحه وقتا كبيرا حتى لو تم تمديد الحلقة إلى حلقتين أو ثلاث، فأنت في مهمة تاريخية لتنقية أفكار الشباب الذين لا يزالون في دائرة الاستقطاب، وظهور الشخصيات المجربة التي اكتشفت المآل المصيري لكل من أعار أذنيه لمحرض أو شيخ -حامل لخطاب الكره- بأن حياته ستكون في فخ لن ينفك منه..

أعيد رجائي لك ولأجهزة الدولة الأمنية بأن تقدموا أصحاب التجارب من خلال الفضائيات وعبر كل وسيلة إعلامية، فحديث هؤلاء هو السد المنيع للشباب والحائل من الانجراف إلى ما هو شر للفرد والأمة معا.

فلماذا العجلة يا عبد الله؟