جولة: طه طواشي تصوير: احمد عقيلي
من قام بتعمير "درب النجا" بعد الخراب الذي تعرض له؟ ولماذا قاد اشراف مكة حملة ثانية على درب النجا ؟ وكيف فقد مكانته كعاصمة للمخلاف بعد هذه الحملة ؟ تشير المصادر التاريخية الى ان جازان العليا «درب النجا» بعد ان غادرها شريف مكة عاد أميرها أبو الغوائر أحمد بن دريب إليها وحاول ان يلُمّ ما تشعث ويعيد بناء ما تهدم وخلال الفترة من 882هـ/1477م إلى 943هـ/1538م شهدت مدينة درب النجا حملات هدم وبناء لسورها وقلاعها نتيجة الحملات العسكرية التي شهدتها في تلك الحقبة من الزمن منها حملة القائد الرومي "سلمان" 934هـ عندما خرج من زبيد قاصداً جازان لامتناع أميرها يومذاك الشريف أحمد بن المهدي القطبي عن أداء ما عليه من أموال وخيول للقائد " سلمان الرومي " فقتل اميرها ودّمر درب جازان وقصورها، وخرب بقية بلاد جازان واحرق مبانيها حتى البحر كما يقول النّعمان، ونهب كلَ ما وقع تحت يده وترك أهلها فقراء .
هنا يشير الباحث الدكتور محمد حاوي قائلا: على ما يبدو ان الرومي لم يُلحق أذىً كثيراً بالقلعة حيث أُعيد ترميمها وبناؤها مرة أخرى في عهد الأمير عامر بن يوسف العزيز ، ويظهر انه قد اعتنى بإعادة بنائها عناية كبيرة وزاد من تحصينها وقوة بنيانها. لان مؤرخي المخلاف يذكرون ان البلاد قد استقرت وازدهر بها العمران ، وتنافس السكان في جازان وأبي عريش في العمارة حتى أصبح يُضرب بعصر الأمير عامر المثل في الميل إلى العمارة والتفنن فيه واستمرت عاصمة للمخلاف السليماني وحامية لأمرائها .
متى فقدت مكانتها
في عام 943هـ/1538م تقريباً تعرض المخلاف السليماني في عهد الأمير عامر بن يوسف العزيز لحملتين شنّهما عليه أمير حلي بن يعقوب " قيس الحرامي" في عامي 940هـ ، و942هـ لكنه باء في كلتيهما بهزيمة شنيعة على الرغم من مساعدة شريف مكة " أبو نمي بن بركات" له بعساكر كثيرة.
وهنا يشير د. حاوي استاذ التاريخ الإسلامي الى انه ما ان بلغت أصداء هذه الهزيمة مسامع الشريف " أبونمي" حتى أخذ يستعد لغزو المخلاف السليماني ، انتصاراً لحليفه أمير حلي. فاجتهد في جمع عساكر كثيرة من أهل ينبع والصفراوات والأودية ، والطائف وغيرهم حتى بلغ عدة خيلهم ما يقرب من (70) فرساً كما بلغت عدة الراجلة (3000) آلاف ثم زاد عددهم لما بلغ حلي في طريقه إلى "جازان" حتى بلغوا (7000) آلاف من الرجالة . ولم يكتف بذلك بل أخرج حملة عن طريق البحر للغرض نفسه .
ويضيف: تكاد المصادر المكية والمحلية تجمع على ان سبب هذه الحملة انما هي نصرة أمير حلي " قيس الحرامي" وغضباً للهزائم التي انزلها به أمير جازان " عامر بن يوسف العزيز ويذهب النهراولي إلى ان " استطالة عامر على اشراف مكة بلسانه وادعاء الافتخار بحسبة وسنانه ، وذكر ما لا يليق بشأنهم، والسفه عليهم بكل كلام قبيح ووضع سخيف" كان سبباً لخروج شريف مكة" أبو نمي" إلى جازان.
خاصة وان هذه الأمور قد تكررت من الشريف "عامر" كما يقول النهروالي. ولعلّ العلاقات الحسنة التي كانت بين صاحب جازان الشريف "عامر" من جهة والعثمانيين ، ووالي مصر من جهة أخرى.  حتى كانت تصله خلعة من السلطان العثماني عن طريق مصر . قد أخافت شريف مكة الأمر الذي ساهم مع الأسباب السابقة في ان يخرج أبو نمي بهذه الأعداد الكبيرة والاستعدادات الضخمة براً وبحراً لغزو جازان ، وبطبيعة الحال لم تغب عنه حملة جَدّهِ محمد بن بركات على المخلاف عام 882هـ . فأراد لذلك كسر شوكة الأمير عامر صاحب جازان وإدخاله في طاعته. على أية حال عقب وصول شريف مكة إلى وادي جازان دارت المراسلات مع صاحب جازان وحاول العلماء وأعيان الناس التدخل بالصلح بين الشريفين فلم يرضخ الشريف "عامر" لمطالب شريف مكة " أبو نمي" فخرج إليه وحاصره في جازان واستمر الحصار ما يقرب من سبعة أيام ، واستطاع ان يهدم أماكن من السور وان يدخل إلى داخل المدينة ومن ثَمَّ دارت رحى معركة عظيمة انتهت بهزيمة صاحبها الشريف "عامر" ومقتل أكثر من ثلاثمائة نفس من أهل جازان واستولى شريف مكة على " نخب وخيل وخزانة صاحب جازان " وكانت خيله أكثر من مائة فرس " ونهب كل ما وجده في جازان.
فاستولى شريف مكة على جميع البلاد وقام بهدم قلعة " الثريا" وسور المدينة وبالغ في ذلك فاخرب جميع بيوت جازان العليا.
وكان لقوة التحصينات في المدينة دور في ان يبقى مقيماً بأبي عريش أكثر من سنة لكي يستطيع جيشه هدم القلعة والسور. فهدمت إلى الأرض كما يقول النمازي. ومن يومها فقدت مكانتها كعاصمة للمخلاف السليماني.
ابوعريش مقرا للحكم
ويضيف د. حاوي عقب ارتحال أبي نمى عن المخلاف ترك أحد أتباعه والياً عليه متخذا من ابوعريش مقرا لحكمه ، لكن العثمانيين سرعان ما استولوا عليها بعد ان قضوا على الجراكسه في زبيد ، ومدوا سيطرتهم على أغلب بلاد المخلاف السليماني . ويظهر ان الأتراك العثمانيين قد أعادوا بناء القلعة وترميم السور وعندما أعادوا إعمارها كانت تستعمل كسجن تارة ، وكخط دفاع وموقع تحصن إذا ما اضطروا إلى استخدامها تارة أخرى.فالضمدي يذكر في كتابه ان كاشف المخلاف في سنة 951هـ " حسن البهلوان " بلغ من جوره وظلمه في البلاد إلى الدرجة التي كان يروّع فيها سكان وادي جازان ويقبض على الكثير منهم ويحبسهم مكتَّفين
ومقيّدين في قلعة جازان ، وكان ذلك سبباً في خراب البلاد وتشتت العباد.
إحراق ابوعريش
على الرغم ان مدينة جازان العليا «درب النجا» فقدت بعد حملة أبي نمي عليها عام 943هـ مكانتها كمدينة مشهورة وعاصمة للمخلاف ، واستحوذت "أبو عريش" على الاهتمام إلاّ ان قلعة " الثريا" أبرز معالم جازان العليا لم تفقد أهميتها وبقيت حصناً حصيناً يلوذ به ويتمترس كل من يحتاج إلى الحماية والتحصن سواء من أمراء المخلاف أو الطارئين عليه من الأقوام الأخرى .
يقول د. حاوي فقد كانت القلعة الحصن الحصين لوالي جازان وأبي عريش العثماني المسّمى الاغا "الأحور" عندما حاصره الأمير عز الدين بن إمام صنعاء شرف الدين يحيى ، ويبدو ان الأتراك عندما أعادوا بناء القلعة وترميم السور بعد ان استولوا عليها وثقوا البنيان. لان عز الدين بقي ما يُقارب (50) ليلة ضارباً الحصار على القلعة ولم يستطع دخولها على الأتراك ، فعاد إلى أبي عريش وأحرقها ثم انصرف عائداً إلى اليمن . وقد وجد الأتراك عناءً كبيراً من جيش عز الدين بن الإمام شرف الدين حينما ضرب الحصار عليهم حيث كانوا يصعدون على قبة " قبر الشريف أحمد بن دريب بن خالد بن قطب الدين ، وعلى قبة جامع جازان ومنارته ويرمون الأتراك بالرصاص . لذلك ما ان غادر عز الدين وجيشه منسحباً إلى اليمن حتى قام الأتراك بهدم الجامع ومنارته وقبة الضريح وجميع المباني الأخرى المحيطة بالقلعة وبقيت القلعة مكاناً منيعاً يتحصن بها الأتراك العثمانيون أمام ثورات أهالي المخلاف السليماني .
خراب القلعة
لا تكاد تشفى مدينة درب النجاة بقلاعها وسورها العظيم من غزوة وتدمير إلا وتكون جحافل الغزاة تقرع الطبول على أبواب أسوارها
يقول د. حاوي رتب الأتراك حامية في قلعة الثريا بقيت تتحصن بها من هجمات الأهالي الموتورين من الأتراك والرافضين لحكمهم ، في الوقت الذي كانت الحرب تدورفي اليمن بين " المطهر بن شرف الدين " والأتراك في زبيد وغيرها من مدن اليمن .وبعد تمكن المطهر من هزيمة الأتراك مستفيداً من الثورة العامّة التي قامت ضدهم في اليمن وتهامة والمخلاف السليماني أخرج جيشاً كثير العدد والعُدة عام 975هـ بقيادة الشيخ "سراج بن عثمان " للاستيلاء على إقليم جازان وطرد الأتراك منها فلم تستطع الحامية الخروج إليهم من القلعة وتراجع من كان في أبي عريش إلى القلعة فتحصنوا بها فضرب عليهم الشيخ " سراج " ومعه العديد من سكان جازان حصاراً شديداً وضيّقوا الخناق على مَنْ بالقلعة. ولم تطل مقاومة الأتراك وقائدهم " الأغا سنان طمطاز" فأعلنوا تسليم القلعة وما فيها بشرط الحفاظ على أرواحهم وسلامتهم ، فأجابهم لذلك فغادروا إلى زبيد . وظفر الشيخ "سراج" وجيشه بما في القلعة وكان كما يقول الضمدي "يجلّ عن الوصف من العدد والسلاح والبنادق والمدافع وخزائن وتحف ، وبُرّ وجوخ ونحاس لا يحصر وأموال". أرسلها كلها إلى المطهر . ثم قام بإخراب القلعة وهدمها ، كما أخرب الكثير من البيوت.